الدين والدولة في الدولة الحضارية الحديثة: دعوة إلى نقاش وطني مسؤول
محمد عبد الجبار الشبوط
محمد عبد الجبار الشبوط / كاتب عراقي
ما تزال العلاقة بين الدين والدولة إحدى القضايا الفكرية والسياسية الشائكة في منطقتنا. في العراق، كما في سائر المجتمعات ذات الغالبية المسلمة، كثيرًا ما يدور الجدل بين نموذجين تقليديين: الدولة الدينية التي تستند إلى سلطة الدين وتطبيق الشريعة، والدولة العلمانية التي تفصل الدين عن السياسة فصلاً تامًا، بل ربما تُقصيه عن المجال العام.
لكن هل يمكن الخروج من هذا المأزق بثنائية ثالثة؟ هل يمكن رسم علاقة جديدة بين الدين والدولة، لا تكون استبدادية باسم المقدس، ولا إقصائية باسم الحرية؟ هنا يأتي مفهوم الدولة الحضارية الحديثة (د ح ح) ليقترح طريقًا ثالثًا.
ما هي الدولة الحضارية الحديثة؟
هي دولة عقلانية، مؤسسية، تتبنى القيم العليا – بما فيها القيم القرآنية – كطاقات أخلاقية وروحية في بناء الدولة، لا كأحكام فقهية تُفرض قسرًا على المجتمع. هي دولة تستلهم من الدين منظومة قيمية (العدل، الكرامة، الأمانة، الإحسان...)، لا سلطة فقهية أو كهنوتية. وتفهم فصل السلطات لا بوصفه فصلًا للدين عن الأخلاق، بل فصلًا للمؤسسات ضمانًا للحرية والتعدد.
ما الإشكال الذي نواجهه؟
نواجه اليوم حالة من "الازدواج القيمي": الناس متدينون على المستوى الفردي، لكن الدولة لا تعكس هذه القيم في السياسات العامة؛ أو – على النقيض – تُفرض تشريعات باسم الدين تقيّد الحريات وتضر بالتنوع. هذا الخلل لا يُعالَج بالشعارات، بل بصياغة إطار حضاري حديث، يحترم الدين كمصدر أخلاقي، دون أن يجعل منه أداة للهيمنة أو التمييز.
ما الذي نقترحه؟
ندعو إلى فتح نقاش وطني شامل ومسؤول حول صيغة العلاقة بين الدين والدولة ضمن إطار الدولة الحضارية الحديثة. هذا النقاش يجب أن يُبنى على المبادئ التالية:
- احترام القيم الدينية بوصفها جزءًا من الهوية الحضارية للمجتمع، دون فرضها كقوانين ملزمة للجميع.
- فصل المؤسسات الدينية عن السياسية، بما يضمن حيادية الدولة تجاه المعتقدات، دون تهميش صوت الدين في المجال العام.
- تطوير فهم "فقه القيم"، الذي يستخرج القيم القرآنية الكبرى ويوظفها في السياسات، لا بوصفها فتاوى ملزمة، بل بوصفها بوصلة حضارية.
- ضمان الحريات الدينية والمدنية لجميع المواطنين، مسلمين وغير مسلمين، متدينين وغير متدينين، على أساس المواطنة الكاملة.
لماذا الآن؟
لأن البلاد بحاجة إلى مشروع نهضوي جديد، يفتح أفق المستقبل بدل أن يبقى أسيرًا لمعارك الماضي. الدولة الحضارية الحديثة لا تعني العودة إلى الوراء، ولا قطيعة مع التراث، بل تجاوز الجمود والانقسام إلى صيغة تجمع بين القيم الروحية والحداثة المؤسسية.
#الدولة_الحضارية_الحديثة

ارسال التعليق