الضمير العالمي تحت الأنقاض !

حسين سالم / كاتب وشاعر عراقي

 

 

 

قبل أيام فقط عاد المشهد نفسه يتكرر؛ مدرسة تُقصف، أطفال يُنتشلون من تحت الركام، وأرقام الضحايا ترتفع كأنها مجرد أرقام في نشرة إخبارية باردة. مئات الأطفال… مئات حياة لم تتعلم بعد معنى العالم، لكنها تعرّفت مبكرًا على معنى القصف.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس: من قصف؟
فهذا صار معلومًا حدّ الابتذال.
السؤال الحقيقي هو: كيف أصبح هذا الفعل ممكنًا دون أن يهتزّ ضمير العالم؟
حين نقول إننا مع إيران في هذه المواجهة، فليس لأن السياسة لعبة ولاءات عمياء، بل لأن المعادلة باتت واضحة على نحو فاضح:
هناك طرف يقف في مواجهة منظومة كاملة من العنف المنظم، ومن خلفه تاريخ طويل من الهيمنة والقوة العارية.
لقد تحولت بعض القوى الكبرى إلى ما يشبه شركة لإدارة الفوضى في العالم؛ تُعيد توزيع الموت وفق مصالحها، وتمنح الشرعية للقصف حين يخدم نفوذها، ثم تتحدث بعد ذلك عن حقوق الإنسان كما لو كانت تلقي محاضرة في الأخلاق.
المفارقة أن الضحايا غالبًا أطفال.
الأطفال تحديدًا… كأن البراءة صارت هدفًا مفضلًا في حروب هذا العصر.
لكن الأمر لا يقف عند حدود القصف وحده.
فنحن نعيش زمنًا تكشّفت فيه فضائح أخلاقية هائلة داخل مراكز القوة ذاتها؛ شبكات استغلال للأطفال، فضائح مدوية مثل قضية إبستين التي كشفت أن بعض النخب التي تعظ العالم بالحرية والحقوق كانت غارقة في مستنقع آخر تمامًا.
هنا تظهر المفارقة الثقيلة:
من يتحدث باسم الحضارة، قد يكون أحيانًا أكثر الأطراف غرقًا في العتمة.
ولهذا يصبح الموقف – مهما بدا للبعض حادًا – محاولة لإعادة تعريف البديهيات.
فليس من المنطقي أن يقف الإنسان على الحياد بين طفلٍ تحت الأنقاض وصاروخٍ يهبط فوق المدرسة.
الحياد في هذه اللحظة ليس حكمة، بل نوع من العمى الأخلاقي.
ولهذا يقال: مع إيران بلا "لكن".
ليس لأن السياسة لا تعرف التعقيد، بل لأن بعض المشاهد تسقط التعقيد كله دفعة واحدة.
حين يُقتل الأطفال في مدارسهم، تصبح اللغة أبسط من أن تحتمل التردد.
قد يجادل البعض بأن العالم أكثر تعقيدًا من هذه المعادلات الحادة، وربما يكون ذلك صحيحًا في كتب العلاقات الدولية.
لكن أمام جثة طفل… يتوقف علم السياسة قليلًا، ويبدأ سؤال آخر: أي عالم هذا الذي يسمح بكل ذلك؟
ربما لا نملك القوة لتغيير ميزان العالم، لكننا نملك على الأقل القدرة على تسمية الأشياء بأسمائها.
أن نقول إن قتل الأطفال جريمة، وأن ازدواجية المعايير ليست سياسة بل انهيار أخلاقي.
في النهاية.. ليست القضية إيران وحدها ولا خصومها.
القضية أوسع بكثير.
إنها تتعلق بالسؤال القديم الذي يعود في كل عصر:
هل ما زال في العالم مكان للضمير؟
أم أن العالم الحديث…
تعلّم أخيرًا كيف يدير الحروب،
دون أن يشعر بأي شيء!!

مقالات ذات صلة

ارسال التعليق