القرآن وقضية الدولة: قيم عليا لا نظام سياسي محدد
محمد عبد الجبار الشبوط
بقلم: محمد عبد الجبار الشبوط / مفكر عراقي
لطالما كانت قضية "الدولة في الإسلام" موضع نقاش واسع بين الفقهاء والمفكرين، واختلفت الآراء بشأن ما إذا كان القرآن الكريم قد قدم نموذجًا محددًا للدولة أو ترك الأمر لاجتهاد المسلمين. ومن خلال القراءة المنهجية للقرآن الكريم ضمن ما يمكن تسميته بـ"الفهم الحضاري للقرآن"، نجد أن النص القرآني لم يضع شكلًا معينًا للدولة، ولا نظامًا سياسيًا محددًا، بل طرح منظومة قيمية عليا يمكن اعتمادها كأساس لبناء الدولة الحديثة وإدارة شؤون الحكم وعلاقات الدولة الخارجية.
القرآن الكريم لم يتحدث عن "الخلافة" كنظام سياسي محدد، ولا عن شكل الحكومة أو نمط تداول السلطة. لم يحدد ما إذا كانت الدولة يجب أن تكون ملكية أو جمهورية، برلمانية أو رئاسية، مركزية أو اتحادية. وهذا يعني أن شكل الدولة ونظامها السياسي يقعان في ما يسميه السيد محمد باقر الصدر بـ"منطقة الفراغ التشريعي"، وهي المساحة التي تركها الشارع الحكيم مفتوحة لاجتهاد المسلمين وفق متطلبات زمانهم ومكانهم وظروفهم الاجتماعية والثقافية.
في المقابل، قدّم القرآن مجموعة من القيم العليا التي تُعد مرجعًا لبناء الدولة الرشيدة، مثل: العدل، الشورى، الأمانة، المسؤولية، الرحمة، الحرية، التعايش، الوفاء بالعهد، عدم العدوان، السلم، التعاون، والتكافل. هذه القيم لا تُفرض كنموذج جاهز، بل تُستثمر لتصميم أنظمة وقوانين تتوافق مع الواقع، وتحقق مصالح الناس، وتحترم كرامتهم، وتضمن العدالة والاستقرار.
لقد ترك القرآن للمسلمين حرية اختيار النظام السياسي وشكل الدولة، بشرط أن يسترشدوا بهذه القيم، ويحققوا من خلالها الغايات الكبرى للشريعة، وعلى رأسها تحقيق المصلحة، ورفع الظلم، وحماية الكرامة الإنسانية، وعمارة الأرض.
إن الخطوة الحضارية اليوم لا تكمن في استنساخ نماذج سياسية من الماضي، بل في اجتهاد معاصر يستلهم القيم القرآنية لبناء دولة حضارية عقلانية، تستند إلى المواطنة، وتحترم التعدد، وتؤسس لنظام سياسي يحقق الخير العام ويُدار بمؤسسات لا بأهواء أفراد.
هذه ليست دعوة للعلمنة، ولا هي تسليم مطلق بالتراث السياسي، بل هي دعوة لاستعادة جوهر الرسالة القرآنية في بناء مجتمع عادل، ودولة مسؤولة، بوسائل بشرية عقلانية تسترشد بالوحي ولا تتقيد بالشكل التاريخي للسلطة.
#الدولة_الحضارية_الحديثة

ارسال التعليق