الولادة الجديدة لإيران

حيدر زويّر

​شكلت موجة الاغتيالات التي استهدفت عمق الهرم القيادي الإيراني، وحرب العدوان الشاملة في حزيران/يونيو 2025 وشباط/فبراير 2026، اختباراً استثنائياً لم تعرف المنطقة له مثيلاً؛ إذ وقفت إيران في وجه أعتى ترسانة عسكرية أفرزها التاريخ الحديث، فكان صمودها ليس مجرد فعل دفاعي، بل تجلياً لاستثناء جيوسياسي هدم قواعد الاشتباك التقليدية.

 

حيدر زويّر   /    كاتب عراقي

 

 

​شكلت موجة الاغتيالات التي استهدفت عمق الهرم القيادي الإيراني، وحرب العدوان الشاملة في حزيران/يونيو 2025 وشباط/فبراير 2026، اختباراً استثنائياً لم تعرف المنطقة له مثيلاً؛ إذ وقفت إيران في وجه أعتى ترسانة عسكرية أفرزها التاريخ الحديث، فكان صمودها ليس مجرد فعل دفاعي، بل تجلياً لاستثناء جيوسياسي هدم قواعد الاشتباك التقليدية.

الدولة التي ترزح تحت وطأة حصار وجودي يمتد لنحو نصف قرن، لم تكتفِ باجتياز امتحان البقاء، بل أدارت الصراع بمنطق "حافة الهاوية"، محوّلةً التهديد إلى معادلة كونية الكلفة عبر إحكام قبضتها على مضيق هرمز، بوصفه الشريان الحيوي للطاقة العالمية.

​لقد نقلت إيران فاتورة الحرب من سياق إقليمي ضيق إلى أزمة هيكلية في الاقتصاد الدولي عجزت واشنطن عن فك طلاسمها. ووجد ترامب -الذي افتتح ولايته بنشوة الانتصارات السريعة- نفسه غارقاً في رمال هرمز المتحركة، يطرق أبواب أوروبا والصين مستجيراً، ليواجه صمتاً دولياً أفضى بدوره إلى تراجع الهيبة الأمريكية وانبثاق واقع جديد، باتت فيه طهران هي من يفرض معادلات الملاحة والأسعار.

​وفي ذات المشهد، جاءت الضربة الإيرانية فائقة الدقة في محيط مفاعل "ديمونة" لتشكل نقطة التحول الكبرى في الوعي الاستراتيجي الأمريكي؛ إذ تجرأت إيران على كسر أعتى المحرمات، مرسلةً رسالة مشفرة بالنار، مضمونها أن "خطوط التماس الحمراء قد سقطت". وهو ما دفع البيت الأبيض -بتقديري- إلى إرجاء استهداف منشآت الطاقة الإيرانية والهرولة نحو قنوات اتصال خلفية؛ فكان إعلان ترامب عن محادثات جرت قبل يومين اعترافاً ضمنياً بأن "دبلوماسية القوة" الإيرانية قد نجحت في تحويل المستنقع العسكري إلى طاولة مفاوضات اضطرارية، تبحث عن مخرج يحفظ ما تبقى من ماء وجه واشنطن.

​وإذا ما كان الإعلان الأمريكي مقدمةً فعلية لإنهاء الحرب أو تعليقها، فإن إيران ستخرج من أتون هذه المواجهة وقد وُلدت من جديد كقوة إقليمية تزداد صلابةً وثقة، واضعةً عواصم الخليج العربي أمام استحقاق استراتيجي مرير؛ حيث تجلّى بوضوح أن المظلة الأمنية الأمريكية التي رُوهن عليها لم تكن سوى "شبكة مخرمة" لم تحمِ العمق من التبعات، بل حوّلت القواعد العسكرية إلى مغناطيس للضربات. وهذا ما يحتم، مع انجلاء غبار الحرب، انتهاج واقعية سياسية جديدة، تقوم على الانتقال من منطق "الاستقواء بالخارج" إلى مبدأ "الاحتواء المتبادل" مع الجار الأقوى الذي صمد أمام العالم بأسره.

​إن دول الخليج العربي أدركت في خضم هذه الحرب أن استقرارها -بوصفه ركيزة بقاء أنظمتها واقتصاداتها- لن يتحقق عبر الرهان على حليف بعيد أثبتت الأزمة انكفاءه، بل عبر "تصفير الأزمات" مع طهران، كضرورة حتمية لضمان الاستقرار في منطقة لا تعترف إلا بموازين القوى الراسخة.

مقالات ذات صلة

ارسال التعليق