حزام السبع وسنّ العقل

 رياض الفرطوسي
كاتب وباحث | عراقي

 

انتهت الكلمة الرسمية في بغداد، وبقيت الجملة الأخيرة. قبل أن يغادر المنصة قال الجنرال الأمريكي كيفن لامبرت مثلاً شعبياً عراقياً: (تحزَّم للواوي بحزام سبع).
ضحك الناس، ثم تأملوا المشهد. رجلٌ جاء إلى هذه الأرض على ظهر عربة همر، ومن خلفه طيران لا تراه العين المجردة، وبوارج تجوب البحار، وأسلحة صُنعت لأيام كهذه، يودّعنا اليوم بمثلٍ من بيوتنا ويوصينا بالحزم. فعن أي حزام يتحدث؟ وأي واوي يقصد؟.
المثل معروف. الواوي، أي ابن آوى، رمز الخبث والمراوغة، والسبع رمز القوة والمواجهة. ومعناه أن تستعد للماكر بأقصى الحيطة ولا تستهين بخصم لأنه يبدو صغيراً. لكن الحكمة تتبدل بحسب قائلها ولحظتها. حين يقولها جار لجاره فهي نصيحة، وحين يقولها من يغادر بعد اثني عشر عاماً، وقد أعلن قبل قليل أن المهمة أُنجزت، فهي حزورة مفتوحة لكل قارئ أن يحلّها بطريقته.
وقد كان في الكلمة نفسها ما يستحق التوقف. قال لامبرت إن الوقت حان ليأخذ العراق زمام المبادرة، وقال رئيس الوزراء علي الزيدي إن انتهاء مهمة التحالف لا يعني انتهاء المعركة مع الإرهاب، بل انتقال العراق إلى مرحلة يتولى فيها المسؤولية الكاملة عن أمنه واستقراره. وقبل أيام حذّر مسعود بارزاني، في مقابلة على الشرقية، من أن الفراغ قد يعيد سيناريو داعش، ودعا إلى قرار مستقل وشراكة دستورية تحفظ حقوق الكرد والسنة والشيعة. وفي المقابل يرى آخرون أن القوات العراقية بتشكيلاتها كافة، من الجيش وقوى الأمن إلى الحشد الشعبي والبيشمركة، قادرة على الإمساك بالملف الأمني. هذه الأصوات تختلف في التقدير، لكنها تلتقي عند حاجة واحدة: أن يتولى العراقيون أمر بلدهم متفقين.
وهنا يحضر المشهد الأكبر. فالمنطقة من حولنا تعيش توتراً، وأساطيل كبرى ترابط في مياهها، وعشرات الآلاف من الجنود الأجانب منتشرون فيها. وفي مثل هذا الجو لا يكفي أن نعرف من أين تأتي الطائرات، بل علينا أن نسأل ماذا نملك نحن أمامها. والجواب لا يُشترى من مصنع ولا يُستورد من قارة. إنه ما سمّاه أجدادنا يوماً سنّ العقل.
ففي أمثالنا أن للمرء سنّاً يهدأ عندها اندفاعه ويرى بعدها بعين لا تخدعها الغيوم، وهي سنّ العقل التي يقولون إن الإنسان يبلغ فيها أشدّه. والأمم كالأفراد: تبدأ بحماس وصدام، ثم تأتي لحظة تكتشف فيها أن القوة الحقيقية ليست فيما تحمله اليد، بل فيما يجتمع عليه القلب. ولنا في تاريخنا شاهد. ففي صيف 1920 كان في يد الاحتلال القطار والطائرة والمدفع، وفي يد العراقيين البندقية والأهزوجة. لكنهم اجتمعوا من الفرات إلى ديالى والموصل، عشائر ومرجعية وأهل مدن، فارتبكت الإدارة البريطانية وراحت تبحث عن السياسة بعدما أعجزتها القوة. وكانت خلاصة تلك الأشهر أن أصعب ما يواجهه الأقوياء هو شعب موحّد، وأن أيسر ما يربحونه هو شعب متفرق.
وهذه هي الحكمة التي يخبّئها المثل. فالواوي لا يملك سلاحاً ولا أسطولاً. يملك فقط قدرته على التسلل من الثغرات: خلاف بين شركاء، أو ريبة بين مكونات، أو تنازع على قرار. وحزام السبع لا يُلبس على الخصر، بل يُشدّ على الصف. هو دولة بمؤسساتها يثق بها الجميع، وحوار وطني هادئ يتسع لكل رأي ولا يخوّن أحداً، وذاكرة مشتركة تحفظ تضحيات الجيش والحشد والبيشمركة والعشائر وأبناء كل مدينة وقفوا يوماً بوجه الخطر، وتعرف أن النصر كان عراقياً قبل أن يكون بدعم من أصدقاء.
ونحن اليوم، بعد ثلاث وعشرين سنة على 2003 وأكثر من قرن على تأسيس الدولة، أمام فرصة لنبلغ سنّ العقل. لا ينبغي أن ننتظر طائرة تحلّق فوق رؤوسنا لنتذكر أننا إخوة، ولا بارجة في البحر لنتفق على قرارنا. السيادة لا تُعلن في احتفال، بل تُبنى في كل اجتماع يضع مصلحة العراق قبل الحسابات الضيقة، وفي كل خلاف يُحلّ بالحوار قبل أن يصل إلى الشارع.
وحين يحل يوم السيادة القادم، لن يسألنا أحد عن المثل الذي قيل في ذلك اليوم. سيسأل: هل شددنا الحزام؟ وهل بلغنا سنّ العقل؟

مقالات ذات صلة

ارسال التعليق