رواية السيرة وتدوين التاريخ (العقاب) أنموذجاً
حسن الكعبي / ناقد عراقي
رواية "العقاب" للطاهر بنجلون تتموضع ضمن تجنيس أدبيات السجن الذي يوثق حالات التعذيب الوحشي ويفضح المستوطنات العقابية التي تديرها السلطة من منطلقاتها الفاشية. ومن ذلك، فإن رواية "العقاب" هي توثيق لحالات الاعتقال السلطوي العصابي المتوثب للقضاء على مطالب الحرية. فالرواية في سياق ذلك هي صناعة تاريخ موازي للتاريخ الرسمي وتاريخ مضاد لتواريخ السلطة، وبالتالي فهي تاريخ فضح وجه السلطة القبيح وإسقاط أقنعتها بل وإسقاط الجدران السميكة التي تتحصن السلطة خلفها لإدارة العنف بكامل وحشيته وعدته العقابية. فالرواية من هذا المنطلق تضع القارئ في مسار الإحالة من المتابعة الشغوفة بجماليات السرد إلى العناية بالقضايا الإنسانية الكبرى التي يمثل أطرافها المجتمع المقهور والسلطة المستبدة، بمعنى أن الهاجس الروائي يتجاوز البناءات الفنية لصالح البناءات الفكرية والمفاهيمية، وذلك ما يؤكده المؤلف. ففي حديثه عن رواية "العقاب"، يقول الطاهر بن جلون: "اتخذت قراراً أدبياً بأن أحكي ما جرى في زمن الحاضر بطريقة واقعية بلا رتوشات أو محسنات، وأن أرويها كما حدثت في وقتها، يوماً بيوم، دون أن يكون لنا أدنى علم بما سيصيبنا في اليوم الموالي"، بمعنى أنه يحاول أن يجرد الرواية من طابعها الأدبي وإغراقاتها الجمالية ومستوياتها البلاغية ليمنحها صفتها التوثيقية الواقعية، ليوجه وعي المتلقي إلى واقعية الحدث. ورغم ذلك، فإن التوجيه هذا لم يجرد الرواية من عناصرها الأساسية في بنائاتها الفنية، بل إن فضاءها الفني في تشكيل الأحداث كان حاضراً بقوة داخل المتن السردي، مما يجعل من الواقع بمثابة المتكأ لتشكيل النص الروائي، حيث تحتل العناصر الفنية فيه موقعها وبشكل خاص عنصر الزمن، بوصفه العامل التاريخي المحرك للأحداث والشامل لتتابعها. ومن هنا، فإن الزمن هو التأطير الشامل لسيرورة الأحداث وبناءاتها الفنية وعناصرها الجمالية.
فالراوية تحكي - بحسب التوجيه التعريفي بها والمثبت على الغلاف الأخير للرواية - قصة أربعة وتسعين طالباً – الطاهر بنجلون واحدٌ منهم – سُجنوا مدة تسعة عشر شهراً، تحت حكم الحسن الثاني، عقاباً لهم على التظاهر سلمياً في شوارع المدن المغربية الكبيرة في (مارس 1965). يجد أولئك الطلبة أنفسهم، بعد أشهر قليلة، مسجونين داخل ثكنات، بدعوى الخدمة العسكرية، تحت نير ضباط تابعين للجنرال أوفقير، مكلفين بـ”إعادة تربيتهم”، يسومونهم العذاب، والإذلال، وسوء المعاملة، ويقودونهم إلى مناورات خطرة بذريعة عبثية. ولم ينتهِ عذابهم إلا ببداية التحضير لانقلاب عسكري، انقلاب الصخيرات في 10 يوليو 1971، حيث أُطلق سراحهم من دون أي تفسير.
الزمن والزمن المضاد
إن الفضاء المشكل لمتن السيرة الروائية متجذر في زمنها، باعتبار أن الزمن في هذه النوعية من روايات السيرة ينهض على الزمن الفعلي وزمن متضمن هو الزمن النفسي للشخصيات. وفي الوثيقة السيرية أو رواية السيرة، كما هو مثبت في العنونة الثانية للغلاف الافتتاحي، والذي يشمل مفردات رديفة للعنوان التوجيهي، كالحاشية المطروحة كأفق قرائي في عملية التوجيه (كان العقاب رهيباً) أو (انتظرتُ خمسين عاماً لأتمكن من تأليف هذا الكتاب)، يحضر الزمن فيها بشكل فعال ضمن الأحداث الواقعية التي جرى تحويلها إلى سيرة روائية من منطلق تطابق حياة الراوي المتموضع في السيرة مع حياة المؤلف الذي اختبر الأحداث بتواريخها الحقيقية منذ عام (1965) وإلى (1971)، وبينها الشهور التي قضاها الطلاب تحت سطوة التعذيب. بمعنى أن هنالك زمن فعلي طويل يشمل أموراً عدة لمسرات وأوجاع المجتمعات في تجربتها مع السلطة المستبدة، لكن هنالك زمن مقتطع من هذه السيرورة التاريخية هو الذي سيحظى بالتوثيق، وهو زمن الاعتقال المحدد بعدة شهور، وهو ما نشير إليه بالزمن النفسي الذي يضم تداعيات السارد، وعذابه وممارسة العقاب الوحشي الذي وقع عليه، وتغيير ملامح شكله وأثر هذا التغيير الجسدي على سايكولوجيته - وذلك لأن روايات السيرة تتخذ من الجسد مركزاً في انتهاجها السردي - وكذلك حنينه للأسرة والحبيبة، والتداعيات في مناحي الذاكرة لتفاصيل في الزمن ترجع حتى لطفولته. كل ذلك يوسع من رقعة الزمن الفعلي، بمعنى أن الزمن هنا يكون أكبر من التاريخ الفعلي الذي يضمه، نتاج شمول الزمن النفسي لحياة الرواية، في حين أن الزمن الفعلي هو تاريخ لجزء من حياة الراوي. ويتساير مع هذا الزمن زمن آخر هو الذي يؤرخ لانتكاسة حزيران، كمؤشر على انتكاسة الذات العربية بفعل الممارسات السياسية لأنظمتها السلطوية. وفي ذلك يسعى الكاتب لأن يدين السلطات العربية المستبدة ويجعل من تاريخ الانتكاسة العربية مساوقاً لانكساره الذاتي في مستوطنات العقاب الرهيبة، لتكون بذلك الرواية السيرية وثيقة مهمة في إدانة تاريخ الاستبداد السياسي، ووثيقة تؤرخ للموقف النضالي في مواجهة هذا الاستبداد الذي عملت راوية العقاب على فضح بطانته الدموية.

ارسال التعليق