في رحيل الأديبة العراقية لطيفة الدليمي
سمية زكي البطاط
سمية زكي البطاط / كاتبة عراقية
هناك موتٌ يشبه إطفاء مصباحٍ صغير في غرفةٍ بعيدة، وهناك موتٌ يشبه انطفاء نافذة كاملة كانت تطل منها الروح على العالم.
برحيل الأديبة العراقية لطيفة الدليمي اليوم في العاصمة الأردنية عمّان، يخسر الأدب العراقي صوتا منحازاً للفكرة وللانسان وللكلمة.
لم تكن الراحلة لطيفة الدليمي مجرد كاتبة بل كانت امرأة تحمل وعياً ثقافياً عميقاً، جعلت من الكتابة مساحة للتفكير في العالم، لا مجرد نصوص عابرة.
كتبت الأديبة لطيفة الدليمي القصة والرواية والمقالة، واشتغلت بالترجمة، وفتحت عبر نصوصها نوافذ واسعة على أسئلة الإنسان: الذاكرة، الحرية، والهوية.
لكن ما يجعل رحيلها اليوم أكثر حساسية وألماً، هو أن الموت الذي جاءها بعيداً عن العراق، وهذا يعني أن اسما وصوتا وحضورا مميزا آخر يرحل وتبقى روحه معلقة بين الذاكرة والحنين.
لقد عرفت الثقافة العراقية عبر تاريخها كتّاباً وفنانين ورواد وخبراء حملوا أوطانهم في اللغة بعد أن تعذر حملها في الجغرافيا، وكانت لطيفة الدليمي واحدة من هؤلاء. لم تكن الكتابة عندها مجرد فعل إبداعي، بل كانت محاولة مستمرة لإنقاذ شيء من المعنى وسط عالم يزداد قسوةً وضجيجاً.
عُرفت الراحلة الأديبة لطيفة الدليمي بدفاعها الواضح والهادئ عن حقوق المرأة، ليس على طريقة الشعارات الصاخبة، بل بأسلوب الوعي الإنساني وعياً يرى في حرية المرأة جزءاً من حرية المجتمع كله. كانت تنتمي إلى ذلك النوع من المثقفين الذين يفضلون التأثير العميق على الضجيج العابر.
رحلت اليوم جسداً، لكن ما يتركه الكاتب لا يقاس بعدد السنوات التي عاشها، بل بعدد الأسئلة التي تركها في عقول قرّائه. والكتّاب الحقيقيون لا يرحلون تماماً؛ لأنهم ببساطة يتركون جزءاً من أرواحهم بين كلماتهم.
ربما كان أكثر ما يؤلم في هذا الرحيل هو تلك المفارقة القديمة: أن كثيراً من المبدعين العرب يودعون الحياة بعيداً عن المدن التي صنعت ذاكرتهم. كأن المنفى يظل يلاحقهم حتى اللحظة الأخيرة، حتى وإن كان منفى هادئاً يشبه مدينة أخرى من مدن الوطن.
ومع ذلك، فإن العزاء الحقيقي في مثل هذه اللحظات يبقى في شيء واحد:
أن الكلمة التي كتبت بصدق لا تموت، وأن المدن التي يسكنها الأدب تبقى حية، حتى لو غادرها كتّابها.
رحلت لطيفة الدليمي، لكن بغداد التي عاشت في ضميرها وكتاباتها لن تغيب، لأنها ببساطة أصبحت جزءا من لغة صعبة لا يمكن كسرها..

ارسال التعليق