ما هي نظرية – المثقف المقولب؟
داود السلمان
داود السلمان / ناقد وباحث | عراقي
من خلال عدد من مقالاتي التي نشرتها في منصات ثقافية متفرقة، ومنها "الحوار المتمدن"، وفي العشر سنوات الأخيرة، والتي تناولت فيها ظاهرة المثقف العربي عمومًا، والعراقي بشكل خاص، توصّلت إلى بلورة ما أعدّه تصورًا نظريًا متكاملًا، أسميته: "نظرية المثقف المقولب". ومن وجهة نظري، تقوم هذه النظرية على فهم عميق لطبيعة التحولات التي أصابت دور المثقف في مجتمعاتنا، سواء على مستوى الخطاب، أو الممارسة، أو علاقته بالمؤسسة (السياسية أو الدينية أو الإعلامية)، وهو ما ظهر للعيان بعد 2003 في العراق. وذكرت إن المثقف المقولب، وفق هذه النظرية، ليس فقط من تخلى عن مهمته النقدية، بل هو الذي قبل طوعًا أن يُختزل في وظيفة شكلية، وأن يُعزل عن أفق التغيير. إنه ذلك الذي تمّت قولبته ضمن إطار جاهز، ثقافيًا أو أيديولوجيًا أو مؤسساتيًا، ففقد حريته الداخلية واستقلاله الفكري، واكتفى بدور الترديد أو التبرير أو التحليل البارد الخالي من المخاطرة.
واعنيه، بالأمر المثقف الذي لا يصوغ خطابًا جديدًا، بل يعيد إنتاج ما هو سائد بلغة مبرمجة يداري فيها مصلحته الخالصة؛ حيث لا يُزعج السائد، بل يُزيّنه؛ لا يطرح الأسئلة، بل يُكرّس الأجوبة المعلّبة. وهنا يكمن جوهر الأزمة: حين يتحوّل المثقف من حامل للقلق إلى أداة للطمأنينة، ومن صانع وعي إلى مستهلك له.
ومن هذا المنطلق، جاءت هذه النظرية لتفكك ظاهرة ثقافية عربية - عراقية، تتجلى في تطبيع المثقف مع السلطة، أو مع السوق، أو مع المرجعيات المغلقة، بحيث يصبح جزءًا من نظام إعادة إنتاج الركود، لا أداة لخلخلته. وهي دعوة إلى إعادة الاعتبار لدور المثقف كقوة استقلال وتجاوز، لا كصدى للمرحلة أو ملحق بها.
ومن هذه المقالات هي مقالتي التي نشرتها تحت عنوان: "محاولة في تعريف المثقف"، حيث أكدت على أن المثقّف يجب أن يكون منتجًا للثقافة – أي مبدعًا عامًا، قادرًا على معالجة القضايا بذهنية نقدية موضوعية، بعكس المفهوم الجامد للنزعة الأكاديمية أو التصنيف الإداري للمثقف.
أيضًا في مقال "الوعي الملتبس"، وصفت - بطريقة نقدية للساحة العراقية - ذلك المثقف الذي يتشدق بالفكر الحديث والمنهجيات التفكيكية، لكنه في الممارسة يبقى مكررًا للموروث والتقليد، بلا جهاد حقيقي ضد العقلية التقليدية، ولا جرأة في نقد الذات والسلطة.
وفي مجمل هذه المعطيات يمكن استخلاص نظريتي للمثقف المقولب، بمكونات واضحة:
-الامتثال الثقافي: المثقف المقولب يتماهى مع منصّة السلطة أو المؤسسة، لا يطرح سؤالًا جوهريًا، ولا يدفع الفعل الثقافي إلى تجاوز القوالب التقليدية أو السائدة.
-الهوية الشكلية: يمتلك المثقف المقوّلب شهادة أو موقعًا لغويًا أو اجتماعيًا ما، لكنّه يفتقد العمق النقدي والنية التغييرية، ويستخدم أدوات الثقافة في الخدمة الذاتية أو المنافع السياسة، والمالية والادارية.
-التحول إلى صوت سلطة: يعمل كناطق رسمي أو كمالك مفاتيح التصديق اللغوي، بدلاً من أن يكون مرآة ناقدة للمجتمع والسلطة.
وبتوضيح أكثر "نظرية المثقف المقولب" التي استوحيتها من مقالاتي: يمكن الغوص أعمق في البنية المفاهيمية التي توصلت اليها، وما تنطوي عليه من خلفيات اجتماعية ونفسية وثقافية، تفسّر أزمة المثقف العربي عمومًا، والعراقي خصوصًا، في السياقات المعاصرة.
وقد طرحت نظريته بوصفها تنظيرًا فلسفيًا مغلقًا، بل كموقف وجودي وأخلاقي من المثقف ودوره، في ظل واقع ثقافي يهيمن عليه التكرار، والانغلاق، والتبعية. فالمثقف المقولب، في عرفه، هو ذلك الذي استسلم لشرط المؤسسة – سواء كانت سياسية أو دينية أو إعلامية – وفقد قدرته على المبادرة أو إنتاج خطاب مستقل. هو حاملُ شهادة، لا حاملُ موقف. قارئ جيد، لكنه لا يسأل. ناطق بلغة عالية، لكنها صدى لا صوت، مع شديد الأسف.
وفي مجمل ما كتبت، رأيت أن أكبر خطر يمثله المثقف المقولب لا يكمن فقط في صمته، بل في قدرته على تزوير الوعي. فهو يتلبّس هيئة المثقف المستنير، ويتحدث بلغة التقدم والعقل، لكنه – في الجوهر – يعيد إنتاج البنى الذهنية نفسها التي تديم التبعية، والجهل، والخضوع. وهنا تكمن المفارقة الأخطر: أن من يُنتظر منه كشف الزيف، هو نفسه يمارسه.
تأتي هذه النظرية في ظل نقد واسع لمشهد ثقافي متصدّع، حيث الخطاب الثقافي أصبح في كثير من الحالات ملحقًا بالخطاب السياسي أو الطائفي. وأرى أن التحوّل من "المثقف الحر" إلى "المثقف المقولب" لا يحدث فجأة، بل هو نتاج عمليات طويلة من التكيّف والخضوع والتخلي عن السؤال الجوهري: لماذا أكتب؟ ولمن؟، وبالتالي صار رجل الدين هو من يتسيّد المشهد برمته.
كما ربطت بين هذا النوع من المثقفين وبين مفاهيم "الحرمان الثقافي" و"الوعي الملتبس"، حيث يصبح المثقف أسير أدوات لغوية وتصورات فكرية لم يعد يمتلك منها شيئًا، بل هي التي تمتلكه. فيغيب بذلك الفعل الثقافي، وتتحوّل الثقافة إلى مجرد خطاب شكلي، لا يتحدى الواقع ولا يزعجه، كما هناك من يدعي الثقافة وهو بعيد كل البعد عنها.
وفي ضوء ذلك، فإن نظرية "المثقف المقولب" هي في جوهرها دعوة إلى تحرير المثقف من القالب المؤسسي، واستعادته إلى موقعه الطبيعي كصوت حر، مستقل، ومعارض بالضرورة. وهي أيضًا تذكير بأن الثقافة ليست زينة لغوية، بل موقف أخلاقي، وأن الكلمة لا تكتسب معناها من بلاغتها، بل من الجرأة التي تنطوي عليها، ومن القدرة على زلزلة القوالب الجاهزة التي يُراد لنا أن نعيش داخلها.
واستنادا إلى ما سبق، أنني لا أنتقد المثقف المقولب بوصفه حالة فردية فقط، بل كنتاج لبنية مجتمعية كاملة تسهم في إعادة إنتاج هذا النموذج، وتغذّيه وتمنحه الشرعية. إن القولبة – من وجهة نظري الخاصة – ليست مجرد خضوع خارجي لضغط السلطة، بل قد تتحوّل إلى عادة داخلية، يتماهى فيها المثقف مع قيوده، ويتبنّى خطابًا ليس له، بل للجهة التي تُغذّيه رمزيًا أو ماديًا.
وهنا تتضح العلاقة العكسية بين القولبة والإبداع: فكلما زادت هيمنة القالب، خفتت مساحة الجرأة، وتآكل الخيال النقدي. فالمثقف المقولب لا يستطيع طرح الأسئلة، لأنه محكوم بالإجابات الجاهزة. لا يستطيع تجاوز المألوف، لأنه لا يرى غيره. وإن مهمته، كما صوّرتها في مقالاتي، ليست في التفكير، بل في التبرير. لا في الخلق، بل في التكرار، والخضوع المشين.
وإذا كانت هذه النظرية تبدو، للوهلة الأولى، تشخيصًا لحالة عراقية أو عربية، فإنها – في عمقها – تصف مأزقًا إنسانيًا واسعًا، يحدث كلما تم تحويل الفكر إلى وظيفة، والمثقف إلى موظف. فحين يُختزل الفكر في شعارات، والثقافة في امتيازات، يُنتج الواقع مثقفين مقولبين بلا روح ولا رسالة.
كما أعتقد أن مسؤولية المثقف لا تنتهي عند الكتابة، بل تبدأ منها. فالكلمة ليست نهاية الفعل، بل بدايته. والكلمة التي لا تُحدث فرقًا، هي مجرد صوت في فراغ. ومن هنا، فإن القولبة – بما هي تطبيع مع العجز – تمثل نفيًا جوهريًا لوظيفة الثقافة ذاتها. الثقافة المقولبة ليست ثقافة، بل ديكور. والمثقف المقولب ليس مثقفًا، بل تابع ناعم بوجه ثقافي.

ارسال التعليق