مجالس المحافظات.. وجود دستوري وانتخابات لا يجوز تعطيلها
أياد السماوي
كاتب | عراقي
لا يُحسم الجدل بشأن إلغاء مجالس المحافظات بالرغبات السياسية أو بتقدير جدوى هذه المجالس، بل يبدأ من سؤال دستوري واضح: هل يملك مجلس النواب إلغاء مؤسسة نصّ الدستور على وجودها، بقانون عادي؟.
للإجابة عن هذا السؤال ينبغي العودة أولاً إلى الدستور. فالمادة (13) منه تقرر سمو الدستور، وتحظر سنّ أي قانون يتعارض معه. والمادة (116) تجعل المحافظات اللامركزية جزءاً من تكوين النظام الاتحادي في العراق. أما المادة (122)، فقد منحت المحافظات غير المنتظمة في إقليم صلاحيات إدارية ومالية واسعة وفق مبدأ اللامركزية الإدارية، ونصّت فقرتها الرابعة على أنّ (ينظم بقانون، انتخاب مجلس المحافظة، والمحافظ، وصلاحياتهما)، كما أكدت فقرتها الخامسة استقلال مجلس المحافظة مالياً وإدارياً عن الوزارات والجهات غير المرتبطة بوزارة.
وهذه النصوص لا تتحدث عن مجالس تُنشأ بإرادة المشرّع العادي ثم يجوز له إلغاؤها متى شاء، بل عن إطار دستوري للامركزية الإدارية، وعن مجالس ورد ذكرها صراحة في الدستور، وأُحيل إلى القانون تنظيم انتخابها وصلاحياتها.
وقد حسمت المحكمة الاتحادية العليا هذا الأمر في قرارها رقم (155/اتحادية/2019) الصادر في 2 حزيران 2021، إذ أكدت أن وجود مجالس المحافظات (حقيقة دستورية لا يمكن تجاوزها)، وأنه لا يجوز للسلطة التشريعية تشريع قانون يتضمن إلغاء تلك المجالس، لتعارض ذلك مع أحكام الدستور ومبادئ الديمقراطية والتداول السلمي للسلطة.
لكن المحكمة وضعت في القرار نفسه تمييزاً جوهرياً بين إلغاء وجود المجالس وبين استمرار عملها بعد انتهاء دورتها الانتخابية، فقد أكدت أن استمرار المجالس بعد انتهاء مدتها يمثل خرقاً لحق الشعب في التصويت والانتخاب والترشيح، وأنّ المدة المحددة لعملها واجبة التقيد، وأنّ تجديد شرعيتها يكون بالانتخابات الدورية المباشرة.
وهنا نصل إلى مسألة لا تقل أهمية: هل يستطيع مجلس النواب إلغاء الانتخابات المحلية أو تعطيلها؟.
إن المادة (122/رابعاً) أحالت تنظيم انتخاب مجالس المحافظات إلى القانون، لكنها لم تمنح المشرّع صلاحية إلغاء الانتخابات أو تعطيلها إلى أجل غير معلوم.. كما أن المادة (20) من الدستور كفلت للمواطنين حق المشاركة في الشؤون العامة والتمتع بحقوقهم السياسية، بما فيها حق التصويت والانتخاب والترشيح.
والجدير بالذكر أنّ قانون انتخابات مجالس المحافظات والأقضية رقم (12) لسنة 2018 كان يتضمن نصاً يجيز تأجيل الانتخابات بموافقة مجلس النواب، بعد التشاور مع المفوضية العليا المستقلة للانتخابات.. غير أنّ التعديل الثالث للقانون رقم (4) لسنة 2023 أعاد صياغة المادة (6)، وحذف صلاحية التأجيل التي كانت واردة في النص السابق، ونصّ على إجراء انتخابات الدورات الجديدة قبل خمسة وأربعين يوماً من انتهاء الدورات السابقة.. وهذا يعني أنّ صلاحية التأجيل التي كانت مقررة بنص قانوني سابق لم تعد قائمة في الصيغة النافذة للمادة (6)، ولا يجوز الاستناد إلى النص الملغى لتبرير التأجيل اليوم.. أما إعادة إدراج هذه الصلاحية بتعديل تشريعي جديد، فتظل خاضعة للضوابط الدستورية ومبدأ دورية الانتخابات، ولا يجوز أن تتحول إلى وسيلة لتعطيل حق الناخبين أو إبقاء المجالس خارج المدد المحددة لها.
لسنا هنا بصدد الدفاع عن أداء مجالس المحافظات، ولا إنكار ما رافق تجربتها من إخفاقات ومظاهر خلل، ولا القول إنّ شكلها الحالي هو الشكل الأمثل لإدارة المحافظات.. فمن حق العراقيين أن يناقشوا جدوى هذه المجالس، وأن يطالبوا بإصلاحها، وأن يعيدوا النظر في صلاحياتها وآليات عملها، بل وأن يطرحوا إلغاءها ضمن مسار دستوري صحيح.
لكن الإصلاح لا يكون بتجاوز الدستور، ولا يجوز أن تتحول الرغبات السياسية، مهما كانت مبرراتها، إلى بديل عن النصوص الدستورية وأحكام القضاء.
الخلاصة..
يمكن إصلاح مجالس المحافظات وإعادة تنظيم صلاحياتها، ويمكن مناقشة مستقبلها ضمن المسار الدستوري، لكن لا يجوز إلغاء وجودها بقانون عادي، كما لا يجوز إلغاء الانتخابات التي تستمد منها شرعيتها أو تعطيلها إلى أجل غير معلوم.. فالدستور هو المرجعية، وإرادة الناخبين هي مصدر الشرعية..

ارسال التعليق