أزمة (تداخل الصلاحيات):قراءة في فلسفة الإدارة في العراق
د. أحمد فاتح محمد/كاتب وباحث عراقي
إن أزمة تداخل الصلاحيات في العراق ليست مجرد خلل اجرائي أو سوء تنسيق بين المؤسسات، بل هي انعكاس لازمة فلسفية أعمق تتعلق بمفهوم الدولة وكيفية إدارتها. ففي مباديء الادارة الراشدة، الإدارة ليست مجرد تنفيذ لقوانين جامدة، بل هي تجسيد للرؤية السياسية والاجتماعية التي تتبناها الدولة تجاه مواطنيها. وفي العراق، تكشف هذه الأزمة عن "فلسفة إدارية" لا تزال أسيرة لعقلية المركزية الشمولية التي ترى في توزيع الاختصاصات تهديدا لوحدتها وهيبتها، بدلاً من رؤيته كأليك لتعزيز كفاءتها.
ان الإشكالية الجوهرية في فلسفة الإدارة بالعراق تكمن في أن تداخل الصلاحيات قد تحول إلى وسيلة مقصودة لتعطيل المساءلة. فالتداخل يخلق عمدا ليذوب المسؤول في غياهب النصوص المتضاربة، بحيث لا يعود المواطن أو المراقب قادرا على تحديد من المسؤول عن الإخفاق. هذا التضارب في الصلاحيات ليس صدفة، بل هو تعبير عن عقلية إدارية تؤمن بأن الغموض القانوني هو أفضل درع لحماية مراكز القوى من المحاسبة.
وعندما نتامل بنية الإدارة في العراق، نجد أن التناقض بين النص الدستوري الاتحادي والممارسة الإدارية الواقعية قد خلق نظاماً من العجز الإداري والمؤسسي المزمن. فالإدارة العراقية تعاني من ازدواجية المعايير القانونية، فهي تريد أن تكون مركزية في القرار لضمان الهيمنة، وتريد أن تكون لامركزية في المسؤولية لتنصلها من تبعات الفشل. إن المحكمة الاتحادية، التي أضحت ملاذ الأطراف المتصارعة، تجد نفسها مضطرة لترسيم حدود السلطة بناءً على ضرورات سياسية، لا على قاعدة فلسفية تعلى من شأن المرفق العام.
ان فلسفة الإدارة، كما يجب أن تكون، تقوم على مبدأ التكامل الدستوري حيث يفترض أن تكمل سلطة المركز سلطة الأطراف، لا أن تتصارع معها. ولكن في العراق، تحولت الإدارة إلى صراعٍ على النفوذ، حيث يستخدم القانون كاداة لفرض الهيمنة، وتفرغ مفاهيم اللامركزية من محتواها لتتحول إلى ديكور مؤسساتي لا يملك من أمره شيئا. ان غياب الفلسفة الواضحة للإدارة هو ما يجعل القوانين العراقية تعاني من التضخم، دون أن نلمس اثرا حقيقياً لها في جودة الخدمة أو استقرار الممارسة.
في الختام، ان أزمة العراق ليست في النصوص، بل في العقلية التي تدار بها هذه النصوص. ان إصلاح فلسفة الإدارة يتطلب الانتقال من عقلية "الضبط والربط" التي تسعى للسيطرة على كل صغيرة وكبيرة، إلى عقلية "تمكين المرفق العام" التي تضع كفاءة الإدارة وحقوق المواطن في قلب المعادلة. ما دام تداخل الصلاحيات يستخدم كأداة للتغول المركزي، فإن الإدارة العراقية ستبقى تدور في حلقة مفرغة، عاجزة عن تقديم نموذج لدولة تحترم استقلال مؤسساتها وتؤمن بالتكامل كطريقٍ وحيدٍ لتحقيق الاستقرار. ان فلسفة الإدارة في العراق بحاجة إلى "ثورةٍ مفاهيمية" تعيد الاعتبار للقانون كأداة للإنصاف، لا كأداة بيد من يملك القوة لتعطيل المؤسسات وتفريغ الدولة من روحها الإدارية.

ارسال التعليق