إسرائيل: الصبي الوقح في خدمة السيد الأمريكي
شوقي كريم حسن
كاتب | عراقي
منذ نشأتها، لم تكن إسرائيل كيانًا مستقلًا بالمعنى الحقيقي للدولة، بل كانت مشروعًا وظيفيًا زرعته القوى الاستعمارية، ثم تبنّته الولايات المتحدة الأمريكية بوصفه قاعدة متقدمة لتنفيذ مصالحها الاستراتيجية في الشرق الأوسط. هذا الكيان لم يأتِ نتيجة صراع وجودي، بل نتيجة صفقة جيوسياسية، عُقدت على حساب شعوب المنطقة، وتحديدًا على حساب الفلسطينيين الذين ما زالوا يدفعون ثمنًا لم يُستشروا فيه. الولايات المتحدة لا تدعم إسرائيل فقط بالسلاح، بل تمنحها تفويضًا مفتوحًا بالبطش. هذا التفويض هو ما يجعل إسرائيل أكثر من حليف. إنها الأداة التي تلوّح بها واشنطن متى ما أرادت ليّ ذراع عاصمة عربية، أو ابتزاز نظام متردّد، أو تأديب شعب رفض التبعية. إسرائيل، بهذا المعنى، ليست شريكًا بل ذراعًا ضاربة. ليست مجرد صديق مدلل، بل ابن غير شرعي يمارس العربدة دون خوف من الحساب، لأنه يعرف أن سيد البيت الأبيض سيغطي على كل جريمة، ويمنع أي مساءلة.
المدفع الذي تهدد به أمريكا العالم العربي ليس أمريكيًا دائمًا. أحيانًا يكون مدفعًا إسرائيليًا، ولكنه محشوٌّ بالبارود الأمريكي، مرفق بضوء أخضر من الكونغرس، وتبرير جاهز في الإعلام الغربي عن "حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها"، حتى لو كانت تهاجم أطفالًا يختبئون تحت ركام بيوتهم. المعادلة واضحة: من يعترض يُتهم بمعاداة السامية، ومن يقاوم يُدرج في قوائم الإرهاب، ومن يرفض التطبيع يُهدَّد بالعزلة والحصار. هذه العلاقة غير المتكافئة بين السيد الأمريكي وصبيّه الإسرائيلي لم تعد خافية. فواشنطن لا تمارس ضغوطًا حقيقية على إسرائيل، بل تتذرع بها لتمرير صفقاتها، وتبرير تدخلاتها، وصناعة الحروب التي تبقي المنطقة في حالة دائمة من الاحتراق المنضبط. احتراق يكفي لشلّ التقدم، ولا يكفي لإسقاط الأنظمة. وهذا هو المطلوب بالضبط.
كل من يظن أن إسرائيل تخرج عن طوع أمريكا مخطئ. إنها تفعل ما يُطلب منها، لكنها تؤدي دورها بخبث ووقاحة، لتبدو وكأنها صاحبة القرار. بينما الحقيقة أنها مجرد أداة، لكنها أداة واثقة من نفسها، لأنها تعرف أن سيدها سيحميها حتى لو أشعلت العالم. إنها نموذج للصبي الوقح الذي يعرف أن لا أحد سيعاقبه، بل سيكافأ كلما زاد في الصراخ والركل، لأن ما يفعله يصب في خدمة سيده، ويؤدي الغرض المطلوب. ولذا، فإن المواجهة مع إسرائيل لا تنفصل عن المواجهة مع أمريكا. ومن يظن أن بإمكانه أن يهادن السيد، ويقف بوجه الصبي، فإنه لا يفهم طبيعة اللعبة. لأن الصبي ليس أكثر من ظلّ لصوت عميق يأتي من خلف البحار، صوت لا ينطق إلا بلغة المصالح، ولا يفهم إلا منطق القوة. هكذا تستمر اللعبة، مدافع أمريكية بأيدٍ إسرائيلية، وصفقات دم مغلفة بكلمات عن "السلام" و"الاستقرار"، بينما الحقيقة الصارخة تقول: إن هذه المنطقة لن تعرف العدل ما دامت الولايات المتحدة تحكمها من خلال صبيّها الوقح، وتحميه من أي مساءلة. والمسؤولية، قبل كل شيء، تقع على من رضي لنفسه أن يُدار من الخارج، وأن يعيش تحت ظل مدفع ليس بيده، لكنه موجّه دومًا نحو صدره.ولأن الشعوب لا تنام إلى الأبد، فإن نار الوعي، وإن تأخرت، لابد أن تشتعل. هذه المعادلة المقيتة بين أمريكا وإسرائيل لا يمكن أن تستمر إلى ما لا نهاية، لأنها تقوم على قهر الإنسان، وتحقير كرامته، وتجريد الأوطان من سيادتها، وتسويق الذل على أنه براغماتية، والخنوع على أنه واقعية سياسية. إنها علاقة لم تُبنَ على القيم، بل على الابتزاز والتخويف، واستثمار الخراب. المثير للسخرية، أن الخطاب الأمريكي الرسمي يتحدث عن "الديمقراطية" و"حقوق الإنسان"، في الوقت الذي يزوّد فيه إسرائيل بالقنابل الذكية لتُلقى على رؤوس مدنيين في غزة، ويمنحها فيتو مطلقًا داخل الأمم المتحدة لتعطيل أي قرار قد يُدينها. فأيّ ديمقراطية هذه التي تتواطأ مع الفصل العنصري؟ وأيّ عدالة هذه التي تسكت عن مجازر ترتكب على الهواء مباشرة؟.. إن الصمت الأمريكي ليس صمتًا محايدًا، بل هو شراكة كاملة، بل إملاء وتنفيذ. إن أمريكا لا تكتفي بتسليح إسرائيل، بل تمنحها غطاءً أخلاقيًا زائفًا، يجعل الضحية تبدو جلادًا، والمحتل يبدو مدافعًا عن نفسه.لقد تحوّلت إسرائيل، في المخيال العربي، من عدو خارجي إلى وكيل داخلي للاستعمار، ومن كيان غاصب إلى أداة عمياء لا تتردّد في تنفيذ الإملاءات الأمريكية حتى لو كانت تلك الإملاءات تتعلق بتصفية القضية الفلسطينية بالكامل، أو إشعال فتنة طائفية في قلب العواصم العربية، أو جرّ دول عربية إلى صراعات جانبية تُنهكها وتُبعدها عن معركة التحرر الحقيقية. ولذلك، فإن قراءة العلاقة الأمريكية - الإسرائيلية، لا يجب أن تتم من زاوية التحالف الاستراتيجي فقط، بل من زاوية الاستخدام المتقن للعدوانية الإسرائيلية كوسيلة ضغط أمريكية دائمة، أشبه بسيف مسلّط على رقاب العرب، وسوط يُستخدم كلما حاولت دولة أن تخرج عن السرب، أو أن ترفع رأسها قليلًا.والأسوأ من كل ذلك، أن بعض الأنظمة العربية لم تعد ترى في إسرائيل تهديدًا، بل شريكًا ممكنًا. وهذا ما تريده واشنطن تمامًا: أن يُقلب العدو إلى حليف، وأن يُروّض الوعي الجمعي ليقبل المغتصب، وأن تُختزل فلسطين إلى صفقة عقارية لاجئين مقابل مال، وخرائط مقابل توقيعات. وهنا، يصبح الصبي الوقح ليس فقط مقبولًا، بل مدعوًا إلى الموائد، ومكرّمًا في المؤتمرات، ومحتفى به في وسائل الإعلام. لكن التاريخ لا يُكتب بالكاميرات وحدها، بل بالدم والرفض والصمود. ستبقى هذه العلاقة الشوهاء بين أمريكا وإسرائيل جرحًا مفتوحًا في جسد المنطقة، ما لم تتولّد إرادة جماعية لرفضها، وكشف خيوطها، وفضح أكاذيبها، ووضع حدّ لمفعول المدفع الذي لم يعد يهدد بالقتل فقط، بل يهدد بكسر الذاكرة، وتمييع الهوية، وتسطيح المعركة. إن أول خطوة في المواجهة ليست الصاروخ، بل الكلمة. الكلمة التي تقول بوضوح: إن إسرائيل ليست دولة، بل مشروع. وإن أمريكا ليست وسيطًا، بل لاعب رئيسي في إنتاج الظلم. وإن من يتصوّر أن الأمن القومي العربي يمكن أن يُبنى بالتطبيع، لا يدرك أن الأمن لا يُشترى، بل يُنتزع. وأن الشعوب، مهما طال صمتها، قادرة أن تقول "لا" في اللحظة التي يظن فيها الطغاة أن كل شيء قد انتهى.وفي تلك اللحظة، سيسقط الصبي من يده المدفع.

ارسال التعليق