استنزاف سياسي

 رياض الفرطوسي / كاتب عراقي

 

منذ أن أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في مايو 2018 انسحابه الأحادي من الاتفاق النووي الشهير، دخلت العلاقات بين واشنطن وطهران مرحلة غير مسبوقة من التصعيد الاقتصادي والسياسي، عنوانها العريض "حملة الضغط الأقصى". غير أن السنوات الممتدة منذ ذلك القرار كشفت عن معادلة معقدة ومستمرة من التدافع، تجاوزت التوقعات الأولية التي كانت ترسمها أروقة وزارة الخزانة الأمريكية بشأن سرعة حسم الملف.
تؤكد دراسة حديثة صادرة عن جامعة كولومبيا أن إيران تعرضت لأكثر من 1200 إجراء عقابي شمل المؤسسات الحكومية والأفراد والكيانات الخارجية المتعاملة معها. لكن التحليلات الأمريكية المعاصرة ترصد في الوقت ذاته حالة من "التكيف الهيكلي" والتطور في أساليب الالتفاف؛ فكلما أغلقت واشنطن ثغرة تشغيلية أو مالية، طوّرت طهران مسارات تجارية موازية عبر آليات مقاصة إقليمية واستخدام العملات المحلية، للاستمرار في تسيير حد أدنى من أنشطتها الاقتصادية والنفطية بعيداً عن نظام الدولار.
اليوم، ومع تجدد التصريحات الأمريكية الصارمة بشأن حزم عقابية استثنائية تُوصف بأنها ستسدد ضربات قاصمة الى ايران، تشير القراءات السياسية في واشنطن وطهران إلى أن المعركة تحولت إلى صراع مرير حول التنافس على النفس الطويل. وبينما تراهن الإدارة الأمريكية على أن استهداف الأطراف الثالثة (إما الالتزام بالحظر الأمريكي على إيران، أو الحرمان الكامل من التعامل مع السوق والشعب الأمريكي والتجار بالدولار) وتضييق الخناق الشامل سيُعجل بالوصول إلى نقطة الانكسار، تراهن طهران على قدرتها المستمرة على امتصاص الصدمات واستغلال التحولات الجيوسياسية الإقليمية والدولية لتخفيف وطأة العزلة. وفي النهاية، تبقى هذه المواجهة مفتوحة على كافة الاحتمالات، بين إصرار واشنطن على فرض إرادتها عبر الحصار، وقدرة طهران على المناورة والمطاولة.

مقالات ذات صلة

ارسال التعليق