الإعلام العربي وجوهر الهوية الثقافية
د. آمال بوحرب / باحثة وكاتبة تونسية
تُمثل اللغة العربية الفصحى جوهر الهوية الثقافية في الوطن العربي، وهي حجر الأساس الذي يُبنى عليه الانتماء الثقافي والوعي الحضاري، إلا أنّ هذه اللغة العريقة تواجه تحديات عميقة ومتراكبة في زمننا الراهن، أبرزها الازدواجية اللغوية بين الفصحى والعامية وما ينجم عن ذلك من تشتت في الوعي اللغوي، إضافة إلى الضغط المتزايد للهجات المحلية واللغات الأجنبية التي تغزو فضاءات التواصل المختلفة. في هذا السياق لا يقتصر دور الإعلام العربي على كونه وسيلة لنقل الأخبار والمعلومات فحسب، بل يتعداه إلى أن يكون فاعلًا فلسفيًا يؤثر في تشكيل الوعي الجمعي ويدافع عن اللغة العربية الفصحى، ويجعلها رمزًا ورافدًا للتماسك والهوية الوطنية والثقافية.
وهنا يطرح السؤال؛ كيف استطاع الإعلام منذ نشأته أن يتحوّل إلى قوّة لغوية وفكرية ذات تأثير عميق في بناء الذات الثقافية العربية؟، وما هي الأبعاد الفلسفية التي قام عليها دوره في ترسيخ الفصحى لتصبح أفقًا وجوديًا جامعًا، ومصدر قوة حيوية للعالم العربي المعاصر؟.
في عالمنا الذي تتسارع فيه وتيرة التطور التكنولوجي وتزداد فيه منابر الاتصال وتتنوع تصبح اللغة العربية أكثر من مجرد وسيلة تواصل بين الناس، إذ تتجلى ككيان ثقافي يحتفظ بذاكرة الأمة وتاريخها، ويحمل رموز انتمائها وعمق حضارتها الإعلام العربي منذ انطلاقته الأولى عبر الصحافة المكتوبة ثم عبر وسائل الإذاعة والتلفزيون حمل على عاتقه مهمة الحفاظ على اللغة العربية الفصحى كأداة تجمع وتجسد الحاضر وتستمد من الماضي وتُعيد إنتاج معنى المواطنة والانتماء، في زمن التغير لقد ساهمت الصحافة الورقية في مطلع القرن العشرين ثم تبعتها الإذاعة والتلفزيون في صياغة خطاب عربي متماسك قائم على لغة موحدة تجمع الأفراد في فضاء مشترك يتجاوز الاختلافات الجغرافية والثقافية.
على الرغم من الدور الإيجابي الكبير الذي لعبه الإعلام في ترسيخ الفصحى، وتعزيز مكانتها إلا أن الواقع اللغوي في العالم العربي يواجه تحديًا حقيقيًا يتمثل في ظاهرة الازدواجية اللغوية، حيث تتعايش الفصحى مع العامية وقد تغلبت الأخيرة في كثير من فضاءات التواصل، خصوصًا في البرامج الحوارية والمحتوى الترفيهي والمسلسلات وحتى بعض الإعلام الإخباري. هذا التداخل بين الفصحى واللهجات المحلية يؤدي في بعض الأحيان إلى إضعاف الحضور الرسمي للفصحى، وتقليص فرص الجيل الجديد في التواصل بلغة الضاد مما ينذر بتفكك الوحدة اللغوية والثقافية وبينما يرى البعض في هذه الازدواجية ثراءً لغويًا يعكس التنوع الثقافي، يرى آخرون فيها تهديدًا لجوهر الهوية اللغوية والثقافية فالإعلام اليوم يجد نفسه في موقع حساس إذ عليه التوازن بين استقطاب الجمهور والتواصل المباشر مع لغته اليومية، وبين الحفاظ على جماليات وعمق الفصحى التي تمثل لغة الذكاء والوعي والارتباط الحضاري. وتبرز هنا أهمية إعادة تأمل دور الإعلام في التعامل مع هذه الازدواجية فهل يستطيع أن يوفق بين مطالب القرب من الجمهور ورغبة المحافظة على الإرث اللغوي العريق.
مع نشأة الإعلام الرقمي وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي، تطورت آليات الاتصال وتغيرت قواعد صناعة المحتوى بشكل جذري. في ظل هذا التحول أصبحت اللغة العربية الفصحى تواجه تهديدات جديدة داخل الفضاء الرقمي، حيث هيمنت اللغة المختزلة والمرتبكة في كثير من الأحيان والمليئة بالأخطاء اللغوية والاختصارات غير المنضبطة على معظم المحتوى الرقمي، مما أدّى إلى تراجع الحضور اللغوي الرصين داخل شبكات التواصل وانزياحها نحو اللهجات المحلية واللغات الأجنبية، وتؤدي هذه الظاهرة إلى فقدان الفصحى لموقعها الحيوي في حياة المستخدم العربي، لتقتصر على السياقات الرسمية أو التعليمية فقط، في حين يهيمن العامي واللغات الأخرى في تفاعلات الحياة اليومية. يرى الباحث المغربي في علوم الإعلام واللسانيات عبد السلام المسدي "أن تسلل اللهجات واللغات الأجنبية إلى الإعلام العربي يُفقد اللغة الفصحى هيبتها، ويهدد البنية الفكرية للمجتمع، لأن الإعلام يشكل المرجع الأوسع والأسرع لانتقال اللغة إلى الأجيال"، هذا الواقع يطرح تحديًا كبيرًا أمام الإعلام الرقمي العربي الذي يمتلك أدوات قوية للتأثير، لكنه يعجز غالبًا عن المحافظة على مكانة الفصحى كأداة حية للتواصل والإبداع والهوية الثقافية.
وأخيرا فإن كانت اللغة العربية الفصحى روح الخطاب ومفتاح الوعي والهوية الإعلامية، فإلى أي حد تصح مقولة الإعلامية والباحثة هبة الله الساعاتي "عندما يتكلم الإعلام بلسانٍ مكسور، فإنه يكسِر صورة الأمة في أعين أبنائه". وكيف نبني لغة تصبح أهم عامل من عوامل تشكيل الوعي المجتمعي والثقافي؟

ارسال التعليق