تحرير العقود الحكومية من النفوذ السياسي وسلطة السلاح |
أياد السماوي
كاتب | عراقي
لم تكن العقود الحكومية في العراق خلال الحكومات المتعاقبة مجرد أداة لتنفيذ المشاريع وتقديم الخدمات العامة، بل تحوّل جانب واسع منها إلى واحدة من أخطر قنوات الاستحواذ على المال العام. فمن خلال المحاصصة السياسية، ونفوذ الأحزاب، وتدخل الجماعات المسلحة، جرى توظيف العقود الحكومية لتوزيع المصالح والنفوذ، وإحالة المشاريع إلى شركات مرتبطة بمراكز القوة، في كثير من الحالات على حساب المنافسة والكفاءة والمال العام. لقد أصبحت العقود الحكومية في ظل هذه المنظومة واحدة من أهم أبواب الفساد المنظم في الدولة العراقية؛ فبدلاً من أن تكون وسيلة لإنجاز المشاريع وتطوير البنية التحتية وتحسين الخدمات، تحوّل بعضها إلى غطاء لعمليات استنزاف واسعة للخزينة العامة، تُدار من خلال شبكات المصالح السياسية والاقتصادية، وتُستخدم فيها شركات واجهة لإخفاء المستفيدين الحقيقيين من الأموال والعقود.
ولم يعد الأمر مقتصراً على حصول شركات مرتبطة بأحزاب سياسية على عقود حكومية، بل امتد في بعض الحالات إلى تدخل جهات مسلحة في مسار التعاقدات، وفرض شركات تابعة لها أو مرتبطة بها، أو الاستحواذ على نسب وعمولات من العقود التي تُحال إلى شركات أخرى. وبذلك أصبحت بعض العقود وسيلة لتمويل شبكات النفوذ وتوسيع مصالحها الاقتصادية على حساب الدولة ومؤسساتها.
وتتخذ عمليات الاستحواذ على المال العام أشكالاً متعددة، تبدأ بالتدخل في إعداد المواصفات الفنية وشروط المناقصات لتفصيلها على مقاس شركات محددة، مروراً بإقصاء الشركات المنافسة أو ترهيبها، وانتهاءً بتضخيم الكلف التخمينية والأسعار، والتلاعب بالكميات والمواصفات، وإحالة المشاريع إلى شركات تفتقر إلى الخبرة والقدرة الفنية والمالية. ثم تأتي مرحلة التنفيذ لتكشف عن مشاريع متلكئة أو ناقصة أو وهمية، بينما تكون الأموال قد غادرت خزينة الدولة ووصلت إلى جيوب المستفيدين.
إنّ خطورة هذه المنظومة لا تكمن في الأموال التي تُنهب من خلال العقود وحدها، بل في أنها أفرغت مؤسسات الدولة من استقلالية القرار، وجعلت بعض المسؤولين والموظفين أمام ضغوط سياسية وأمنية تحول دون ممارسة صلاحياتهم القانونية. وعندما يصبح الموظف عاجزاً عن رفض شركة مفروضة عليه، أو عن إحالة عقد إلى الشركة الأكثر كفاءة بسبب تدخل جهة نافذة، فإننا نكون أمام اعتداء مباشر على سلطة الدولة وهيبة القانون.
وليس من الإنصاف أن نتحدث عن مكافحة الفساد من دون فتح ملف العقود الحكومية، ومراجعة ما جرى فيها خلال الحكومات المتعاقبة منذ عام 2003. فالمطلوب ليس الاكتفاء بملاحقة موظف صغير أو مدير دائرة، بينما تبقى شبكات المصالح التي تتحكم بمسارات الإحالة والتمويل والتنفيذ بعيدة عن المساءلة. إنّ التحقيق يجب أن يصل إلى المستفيد الحقيقي من العقد، والجهة التي فرضت إحالته، والأموال التي جرى تحويلها أو الاستحواذ عليها بطرق غير مشروعة.
ومن هنا، فإن تحرير العقود الحكومية من النفوذ السياسي وسلطة السلاح يجب أن يكون واحداً من أهم عناوين الإصلاح الاقتصادي والإداري في العراق. وهذا يتطلب إجراءات حقيقية، في مقدمتها:
أولاً: إنشاء منصة وطنية موحدة للعقود الحكومية، تُنشر فيها جميع المناقصات والعطاءات ونتائج الإحالة وقيم العقود ومراحل التنفيذ، بما يضمن الشفافية ويمنع التلاعب خلف الأبواب المغلقة.
ثانياً: الكشف عن المالكين الحقيقيين للشركات المتعاقدة مع الدولة، ومنع استخدام الشركات الوهمية والواجهات التجارية لإخفاء الجهات المستفيدة، مع الإفصاح عن حالات تضارب المصالح والارتباطات ذات الصلة.
ثالثاً: تحييد لجان التعاقد والإحالة عن التدخلات الحزبية والسياسية والأمنية، واعتماد معايير فنية ومالية معلنة، تضمن تكافؤ الفرص بين الشركات المتنافسة.
رابعاً: تجريم التدخل والابتزاز والتهديد المسلح الذي يستهدف فرض شركة أو تغيير نتائج مناقصة أو الاستحواذ على عمولات من العقود الحكومية، وملاحقة كل من يثبت تورطه، أياً كان موقعه أو الجهة التي تقف خلفه.
خامساً: إجراء تدقيق شامل للعقود الحكومية الكبرى التي أُبرمت خلال السنوات الماضية، للكشف عن تضخيم الأسعار والتلاعب بالمواصفات والمشاريع الوهمية والمتلكئة، ومحاسبة المتورطين واسترداد الأموال التي يثبت الاستيلاء عليها بطرق غير مشروعة.
سادساً: ربط صرف الأموال بنسب الإنجاز الفعلية، وإخضاع تنفيذ المشاريع لرقابة فنية ومالية مستقلة، وعدم السماح بتمرير الملاحق التعاقدية وزيادة الكلف من دون مبررات قانونية وفنية واضحة.
إنّ المسؤولية اليوم تقع على عاتق الحكومة ومجلس النواب والجهات الرقابية والقضائية، لوضع حد لهذه المنظومة التي استنزفت المال العام وأضعفت ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة. ولا يمكن أن يتحقق ذلك من خلال حملات مؤقتة أو قرارات شكلية، بل من خلال إرادة سياسية واضحة تضع حداً لتدخل الأحزاب والجماعات المسلحة في إدارة الموارد العامة، وتعيد القرار التعاقدي إلى مؤسسات الدولة وحدها.
إنّ أموال الدولة ليست ملكاً للأحزاب، وليست حصة للفصائل المسلحة، وليست غنيمة تتقاسمها مراكز النفوذ. إنها أموال العراقيين، ومن حقهم أن تُنفق في مشاريع حقيقية وخدمات ملموسة، لا أن تتحول إلى ثروات خاصة تتراكم على حساب فقرهم وحرمانهم.
إنّ استعادة المال العام تبدأ بتحرير العقد الحكومي، واستعادة الدولة لقرارها؛ فلا إصلاح اقتصادياً حقيقياً ما دامت العقود تُمنح بالنفوذ، وتُحمى بالسلاح، وتُدفع أثمانها من جيوب العراقيين الغلابة.

ارسال التعليق