زيارة الأربعين الحسينية: الجموع المليونية رسالة إنسانية كونية

د. عبدالكريم الحلو

مقدمة: حين دوّى صوت الإمام الحسين (ع) في صحراء كربلاء، وهو يطلق نداءه الخالد: "أما من ناصرٍ ينصرني؟". لم يكن يستجدي النصرة لنفسه، بل كان يستنهض الضمير الإنساني في كل زمان ومكان. ذلك النداء الذي عبر القرون، ما زال يطرق أبواب القلوب، فيوقظ الفطرة، ويعيد تشكيل الموقف.

د. عبدالكريم الحلو
باحث وأكاديمي | عراقي

 

 

مقدمة:
حين دوّى صوت الإمام الحسين (ع) في صحراء كربلاء، وهو يطلق نداءه الخالد: "أما من ناصرٍ ينصرني؟". لم يكن يستجدي النصرة لنفسه، بل كان يستنهض الضمير الإنساني في كل زمان ومكان. ذلك النداء الذي عبر القرون، ما زال يطرق أبواب القلوب، فيوقظ الفطرة، ويعيد تشكيل الموقف.
اليوم، في مسير الأربعين، يخرج الملايين من أطراف الأرض، رجالًا ونساءً، شيوخًا وأطفالًا، استجابةً لذلك النداء. يمشون حفاة الروح، مضمّخين بالوفاء، كأنهم يجيبون الحسين بقلوبهم قبل ألسنتهم: "لبيك يا حسين". هنا يتحول المشي إلى طقس وفاء، وإلى لغة عالمية تقول إن الرسالة لم تمت، وإن دم الحسين ما زال يضيء دروب الأحرار.
زيارة الأربعين ليست حدثًا محليًا محصورًا في حدود الجغرافيا العراقية أو المذهب الديني، بل هي أكبر تجمّع بشري سلمي متكرر في العالم، يجتمع فيه عشرات الملايين من شتى الجنسيات واللغات والأعراق والديانات، متجهين نحو كربلاء حيث يرقد سيد الشهداء الإمام الحسين بن علي (عليه السلام).
هذا المشهد لا يمكن اختزاله في كونه شعيرة دينية، بل هو خطاب إنساني شامل يقدّم للعالم رسائل قيمية وحضارية، تتجاوز حدود الزمان والمكان.

البعد التاريخي: إرث الدم النابض بالكرامة
استشهاد الإمام الحسين عام61 هـ لم يكن حدثًا عابرًا، بل لحظة مفصلية في تاريخ القيم الإنسانية. نهض الحسين لا طلبًا للسلطة، بل رفضًا لظلم الدولة الأموية وانحرافها عن مسار العدالة. حملت ثورته معنى "الوقوف وحدك في وجه الباطل مهما كان الثمن".
زيارة الأربعين تحيي هذا المعنى، وتحوّله من نص تاريخي إلى ممارسة حية، حيث يعبر الملايين سيرًا على الأقدام مئات الكيلومترات، إحياءً لذكرى التضحية والحرية.

البعد الإنساني: مدرسة الفطرة والكرم
العالم الذي غرق في الأنانية والربح المادي، يقف مندهشًا أمام ما يراه في طريق الأربعين: موائد مفتوحة بلا مقابل، يُقدّم فيها الطعام والشراب والمأوى والخدمات الطبية. أبواب مفتوحة من بيوت الفقراء والأغنياء على حد سواء، يتسابقون في خدمة الزائرين.
كرم بلا حدود يصل لحد أن يعطي صاحب البيت آخر ما يملك لضيف لا يعرفه، فقط لأنه "زائر الحسين". هنا، تُستعاد الفطرة الإنسانية الأولى: العطاء بلا مقابل، الحب بلا شروط، التضحية بلا انتظار للثناء.

البعد الفلسفي: الحسين كرمز كوني
لا يمكن فهم زيارة الأربعين على أنها طقس ديني فحسب، بل هي فعل فلسفي جماعي، حيث يعلن الملايين انحيازهم العاطفي والعقلي لقيم العدل والحرية والكرامة.
الحسين في هذا السياق يتحول إلى رمز كوني، تمامًا كما تحولت شخصيات مثل غاندي ومانديلا إلى أيقونات عالمية، لكنه يمتاز بأن رمزيته لم تُخلق من خطاب سياسي أو منصب، بل من تضحية مطلقة بالذات.

البعد الاجتماعي: الوحدة في التنوع
في زمن الانقسامات الطائفية والقومية، تقدم الأربعين نموذجًا لوحدة إنسانية نادرة:
شيعة، سنة، مسيحيون، صابئة، وحتى من لا دين لهم، يسيرون في الطريق ذاته. لغات العالم تتجاور في السلام والتحية والدعاء. الحدود الاجتماعية والطبقية تذوب، فلا فرق بين غني وفقير، وزير أو عامل.
إنها صورة مصغّرة لعالم متخيّل بلا جدران.

البعد الإعلامي والرسالي: خطاب للعالم
الأربعين اليوم هو فرصة ذهبية للعالم لرؤية معنى التضامن على نطاق غير مسبوق. إن تصوير هذه المشاهد وبثها يكسر الصور النمطية عن العراق وعن الإسلام، ويقدم صورة مشرقة: 
الإسلام كدين كرم ومحبة وسلام، والعراق كأرض احتضان وعطاء.

خاتمة: 
الرسالة التي لا تنطفئ
الجموع المليونية في الأربعين لا تذهب إلى كربلاء فقط لتبكي على الحسين، بل لتقول للعالم:
إن الحسين ليس ملكًا للمسلمين فقط، بل هو إرث لكل إنسان يرفض الظلم ويعشق الحرية.
في عالم يبحث عن نماذج أخلاقية حيّة، تقدم الأربعين نموذجًا من لحم ودم، حيث يلتقي التاريخ بالقيم، والفطرة بالعقل، والدمعة بالابتسامة.
إنها ليست مجرد مسيرة، بل درس عالمي مفتوح في الإنسانية. على طريق كربلاء، تتعانق الأقدام المتعبة مع الغبار، ويتحوّل العرق إلى نهر من العزيمة، فيما تهتف القلوب قبل الحناجر: "لبيك يا حسين". 
هناك، في ذلك المدى الممهور بدم الشهداء، ترى وجوهًا من كل لون ولسان، لكن ملامحهم جميعًا تنطق بالوفاء ذاته. امرأة مسنّة تمد يدها بكوب ماء إلى شاب لا تعرف اسمه، وطفل يركض خلف الزائرين وهو يوزّع التمر بضحكة أكبر من يديه، ورجل يفتح بيته على مصراعيه ليؤوي غرباء لن يراهم مرة أخرى في حياته. 
هذه المشاهد ليست لقطات عابرة، بل حكايات تصنع ملحمة لا يكتبها المؤرخون بالحبر، بل بالخطوات والدموع والنبض.
وفي نهاية الرحلة، حين تلوح قبة الذهب تحت شمس كربلاء، 
يشعر كل زائر أنه وصل إلى بيته، 
إلى الحقيقة التي بحث عنها طوال عمره: 
أن الحسين لم يُخلق ليكون ذكرى، بل ليكون ضميرًا حيًا، 
وأن الأربعين ليست طريقًا إلى ضريح، بل طريقًا إلى إنسانيتنا.

مقالات ذات صلة

ارسال التعليق