سعد سلوم.. المثقف الذي يحرث في أرض التنوع الإنساني

حسن الكعبي

الاحتفاء بسعد سلوم بمناسبة نيله جائزة التضامن من مؤسسة أديان والذي رعته المستشارية الثقافية في مكتب رئيس الوزراء بالتعاون مع منظمة نخيل عراقي، يمثل احتفاء بأهمية الحقل المعرفي المهمل في الثقافة العراقية والذي اشتغل عليه سلوم في دراساته حول الأقليات، والأنثروبولوجيا الثقافية، والهويات الفرعية. وهي مناطق معرفية اهملتها الثقافة العراقية ، رغم انها في مساق اشتغالات سلوم تمثل المفاتيح الاساسية لفهم العراق وتاريخه وتحوّلاته.

حسن الكعبي / كاتب عراقي

 

 


الاحتفاء بسعد سلوم بمناسبة نيله جائزة التضامن من مؤسسة أديان والذي رعته المستشارية الثقافية في مكتب رئيس الوزراء بالتعاون مع منظمة نخيل عراقي، يمثل احتفاء بأهمية الحقل المعرفي المهمل في الثقافة العراقية والذي اشتغل عليه سلوم في دراساته حول الأقليات، والأنثروبولوجيا الثقافية، والهويات الفرعية. وهي مناطق معرفية اهملتها الثقافة العراقية ، رغم انها في مساق اشتغالات سلوم تمثل المفاتيح الاساسية لفهم العراق وتاريخه وتحوّلاته.
فأن يُحتفى بسعد سلوم بمناسبة نيله هذه الجائزة المهمة فهو تأكيد على ضرورة الالتفات إلى المثقف الذي جعل من الحوار والتنوع حقلاً للمعرفة والمساءلة. فسلوم لا يمثل نموذجا للمثقف التقليدي او الرسمي المحترف كما يصفه ادوارد سعيد ، بل هو ذلك المثقف الهاوي الذي يهدد المركزيات وينهض من الهوامش ويحاصرها باسئلة حول مفهوم الهوية والانا والاخر , ليعيد تعريف الهوية في سياق التنوع والاختلاف , فهو مثقف نقدي من طراز خاص، يحرث في أرضٍ نائية من الوعي الجمعي، كما وصفه الشاعر مجاهد أبو الهيل، حين أشار إلى أن اشتغاله يتجاوز التوصيف النظري ليصبح مشروعًا لإعادة بناء الوعي العراقي من الداخل.
لقد أدرك سعد سلوم منذ سقوط الديكتاتورية هشاشة الهوية الوطنية أمام احتمالات التمزق، فاختار أن يجعل من التنوع مصدراً للتماسك لا للانقسام. ومن هنا أطلق مشروعه المعرفي في مجلة "مسارات"، التي فتحت الباب واسعاً أمام إعادة التفكير في مفهوم الهوية والوحدة ضمن التعدد، بوصفها خيارًا حضاريًا يقي المجتمعات من فخاخ السقوط في مستنقع الكراهيات.
هذا الادراك مكن سلوم من النهوض بمشروع حضاري مهم دفع به الى مركز الصدارة وذلك ما اشار اليه المستشار الثقافي لرئيس الوزارء الشاعر عارف الساعدي في كلمته الافتتاحية أن سلوم “اشتغل في حقل قلّ الاشتغال عليه، فكان نجماً وإنساناً مبدعاً حمل الإنسانية كرسالة للتلاقي والحب والسلام”.
اشتغالات السلوم بالمهمل والمسكوت عنه , ونقد التمركزات بتنوعاتها , كان وراء اهتمامه بقضايا المرأة التي تمثل هامشا في المجتمعات الذكورية, وذلك ما أكدته خانم لطيف: أن سلوم “آمن بأن الواجب الإنساني هو منح الصوت لمن حُرمن من الكلام، والإصغاء لما تخفيه العتمة حتى يولد الضوء من جديد”. 
هذه الشهادات تكشف أن المحتفى به يتعامل مع الثقافة كوعي تحويلي يسعى إلى تقويض الجدران التي تفصل الإنسان عن إنسانيته وتمد جسور التواصل في مسعى للاقتراب من المشترك الانساني.
وخلال كلمته في الأمسية،اوضح السلوم استراتيجيته في الوصول الى هذا المشترك الذي يجد مواطن كمونه في التنوع والحوار, وفي هذا السياق قدم سلوم مقارنة لافتة في اشارته إن التضامن والوحدة يشبهان ركوب سفينة نوح، حيث يلتقي المختلفون في فضاء نجاةٍ مشترك، لا على أساس التشابه، بل على إيمان عميق بأن خلاص الإنسان لا يتحقق إلا مع الآخر. وهي ليست سفينة (تايتنك) التي حملت التناقضات الطبقية والتفاخر بالمصير، فغرقت بثقل غرورها.”
بهذه المقارنة، يعيد سلوم تعريف معنى التضامن بوصفه فعلاً للنجاة الجماعية ولا يمثل شعوراً عاطفياً عابرًا. فسفينة نوح في رمزيته لا تنقذ أفراداً متشابهين، بل تضم الكائنات كلها، على اختلاف أنواعها وأصواتها، لأن الخلاص لا يتحقق إلا حين تتجاور الفروقات في رحاب الإنسانية الكبرى.
هذه المقارنة تكثّف فلسفة التضامن الإنساني التي يدعو إليها سلوم، إذ يرى أن الحوار هو شرط الوجود. فالحوار، في جوهره، هو ما يمنح الجماعات قدرة العبور من الذات إلى الآخر، من العزلة إلى المشترك، من الخوف إلى الثقة. وهو ما يجعل التضامن، وفق هذا الفهم، فعلاً مقاومًا ضد الغرق في الانقسامات والكراهيات وانفجار الهويات ومتضمناتها لافعال الاقصاء والكراهيات المنفلتة .
 

 

 

 

 

 

 

مقالات ذات صلة

ارسال التعليق