فتح خور عبد الله.. حين يشبه الجرح الفتح ويشبه البحر الحكاية
كميلة نوري حميد
كاتبة وباحثة | عراقية
لم تكن واقعة خور عبد الله مجرد خلاف حدودي على شريط مائي، بل كانت اختزالًا لسنين طويلة من الألم، والخذلان، والتفاوض على حساب الكرامة الوطنية.
وكما كانت مكة في لحظة "فتحها" رمزًا لانتصار الحق على الباطل، والوفاء على الغدر، فإن فتح خور عبد الله اليوم أو المطالبة باستعادته تُشبه في رمزيتها ما مثّله فتح مكة من عودة الأمور إلى نصابها بعد طول مصابرة.
فتح مكة لم يكن انتقامًا، بل كان تطهيرًا للبيت الحرام، ونهاية لمرحلة الظلم والتشريد والنفي. دخلها النبي عليه الصلاة والسلام خاشعًا، لا متجبرًا، يطرق أبوابها بيد العدل لا بالسيف.
واليوم، عندما ترتفع الأصوات العراقية مطالِبةً باستعادة خور عبد الله، فإنها لا تفعل ذلك من باب التوسّع أو الفرض، بل من باب الحق، من باب إصلاح التاريخ الذي تم التلاعب به في ظلام الغرف المغلقة.
إن اتفاقية خور عبد الله التي وُقعت بعد القرار الأممي رقم 833 لسنة 1993، واعتُمدت لاحقًا كأمر واقع، لم تكن اتفاقية كرامة، بل وثيقة غدر، لا تراعي التوازن، ولا تحفظ حق العراق كدولة ذات سيادة. وبينما كانت الحكومات المتعاقبة تلوّح بالهدوء والدبلوماسية، كان البحر يُقضم، والمياه تُحاصر، والمرافئ تُعزل، ولم يكن العراقي إلا الضحية الوحيدة في كل مرة.
لكنّ الشعوب، مثل الأنهار، قد يعيقها سدٌ، أو يحرفها مسار، لكنها لا تموت.
واليوم، حين يُقال "فتح خور عبد الله"، فإننا لا نتحدث عن معركة بالسلاح، بل عن معركة بالوعي، والذاكرة، والإرادة.
هو فتحٌ يشبه فتح مكة، ليس لأن خور عبد الله يوازي قدسية البيت، بل لأن في كليهما انكسارًا سابقًا، وعودةً مظفّرة لا مكان فيها للانتقام، بل للعدل.هو فتحٌ ضد النسيان، ضد الصفقات التي تُدار خلف ظهور الشعوب، وضد محاولات تمزيق الجغرافيا بقلم المرتزقة.
إن العراق لا يسعى لفرض إرادته على أحد، لكنه يرفض أن تُفرض عليه إرادات تُهندسها قوى المصالح، وتُباركها الصمت العربي والدولي.
إن استعادته هي استعادة لجزء من الكرامة الوطنية، ولن يكون للوطن وجهه الكامل، ما لم تُمسح عنه ندبة الغدر، وما لم يُفتح له البحر من جديد.

ارسال التعليق