فلسطين في قلب أم الدنيا
سعید دهقاني/كاتب إيراني
في أحد أيام الإسكندرية الحارة والرطبة، شمال مصر، تقف سيارة بيضاء على جانب أحد شوارع المدينة.
كان ذلك يوم الثلاثاء، السابع من مايو/أيار 2024، الموافق للثامن عشر من شهر أرديبهشت من العام 1403 الهجري الشمسي. يجلس الراكب داخل السيارة مرتاحًا، غير مدرك لما سيحدث له بعد لحظات. فجأة، يقترب رجل من السيارة. يقول له بالعبرية: "شالوم، شالوم من أولاد غزة"، ثم يتحدث بالعربية قائلاً: "من طرف شباب غزة". بعد ذلك، يوجه مسدسًا مزودًا بكاتم صوت نحو السائق، ويطلق عليه النار مرارًا حتى يسقط قتيلاً.
هكذا يظهر في الفيديو. هذا الفيديو الذي انتشر قبل نحو تسعة أشهر بين عدد كبير من المستخدمين العرب. وقد نشرته جماعة تُدعى "طلائع التحرير"، وادعت فيه أنها قتلت هذا العميل الإسرائيلي الذي كان يعمل لصالح الموساد، متخفيًا في هيئة تاجر فواكه وخضروات ويحمل جواز سفر كنديًا.
عقب انتشار خبر مقتل "زِف كيبر"، أعلنت الحكومة المصرية أنها ستتابع قضية اغتيال هذا التاجر الكندي-الإسرائيلي. وظهرت موجة من الأخبار في وسائل الإعلام العربية والعبرية حول هويته. لكن ما دفعني لكتابة هذه المقالة، ليس التحقيقات المصرية ولا تفاصيل القضية، بل الجملة التي نُطقت في بداية الفيديو.
فالقاتل، وهو يُعد سلاحه، يقول بلهجة مصرية:
"لسه مصر فيها رجالة. ولسه مصر حية، وفيه كتير جدًا على درب الشهيد محمد صلاح. يا رب سدد."
أي: "لا تزال في مصر رجولة، ولا تزال مصر حية، وكثيرون يسيرون على درب الشهيد محمد صلاح. اللهم وفقني."
و"محمد صلاح" المذكور هو جندي مصري شاب، نفذ قبل أشهر من هذه الحادثة عملية فردية قتل فيها عدة جنود إسرائيليين.
بعد مشاهدتي لهذا الفيديو، قررت أن أبحث وأدرس لأفهم: ما هي المشاعر والعواطف التي تجري تحت سطح المجتمع المصري، بحيث أن الشعب لا يزال، رغم سنوات طويلة من "السلام السياسي"، يرى في إسرائيل عدوًا، وفي فلسطين، وتحديدًا غزة، صديقًا؟
كان يمكنني أن أقدم إجابة بسيطة لهذا السؤال: "هذا طبيعي! فالمصريون عرب وجيران، وشعبان عربيان متضامنان، ومن الطبيعي أن يبقى الشعب بعيدًا عن مسار التسويات السياسية."
لكنني وجدت هذه الإجابة تحتاج إلى تفصيل وشرح. كان عليّ أن أبحث في صفحات التاريخ لأتأكد: هل فعلاً كان المصريون يلومون قادتهم بعد اتفاقية كامب ديفيد؟ كم كانت صدورهم مفتوحة لاستقبال الفلسطينيين المنكوبين؟ وكان لا بد من قراءة التاريخ الذي يشهد على تضامن المصريين مع الفلسطينيين.
بعد تأسيس الكيان الصهيوني عام 1948، لجأ آلاف الفلسطينيين إلى مصر.
في ذلك الوقت، استقبلهم نظام الملك فاروق. لكن من المهم الإشارة إلى أن الفلسطينيين في مصر حينها لم يكونوا جميعًا من اللاجئين الذين هربوا من العدوان الإسرائيلي؛ بعضهم لجأ بسبب القرب الجغرافي أو العلاقات الاجتماعية والمهنية.
بعد سقوط الملكية عام 1952 على يد "الضباط الأحرار" بقيادة جمال عبد الناصر، اتجهت السياسات المصرية نحو وحدة الأمة العربية. ونتيجة لذلك، تم دعوة فلسطينيي غزة إلى مصر للدراسة والعمل والتجارة، وعاشوا كمواطنين مصريين، يتمتعون بحقوق أساسية كحق العمل والتملك.
في عهد عبد الناصر، كان بإمكان الأطفال الفلسطينيين المقيمين في مصر الدراسة في المدارس الحكومية، كما استفادوا من تخفيضات رسوم الجامعات. وبحلول عام 1969، بلغ عدد الفلسطينيين في مصر نحو 33 ألفًا، وتوزعوا على مدن مثل القاهرة، الإسكندرية، بورسعيد، وغيرها. ومع مرور الوقت، أدى التفاعل الثقافي والاجتماعي والمهني بينهم وبين المصريين إلى اندماج كبير، لدرجة أن التمييز بين الفلسطيني والمصري بات صعبًا، لا سيما بسبب كثرة حالات الزواج المختلط.
هذا الاندماج جعل من الصعب على المؤسسات الدولية تحديد عدد اللاجئين الفلسطينيين في مصر، وبالتالي لم تكن هناك بيانات دقيقة لتقديم مساعدات إنسانية لهم. واللوم لا يقع فقط على تلك المؤسسات، بل أيضًا على الحكومة المصرية التي لم تسمح للفلسطينيين بإنشاء مؤسساتهم المحلية. فرغم تأكيد جامعة الدول العربية على الحفاظ على الهوية الفلسطينية، كان عبد الناصر يسعى لدمج الفلسطينيين بالكامل داخل المجتمع المصري.
في ذلك الوقت، كانت المؤسسات الفلسطينية القليلة الموجودة في مصر هي "اتحاد العمال الفلسطينيين" و"اتحاد النساء الفلسطينيات"، وكانتا أقرب إلى تنفيذ سياسات الدولة المصرية منهما إلى تمثيل الفلسطينيين بشكل مستقل. فالاتحاد الأول كان يكتفي بتسجيل العمال الفلسطينيين كمزارعين أو سائقي تاكسي حتى يتمكنوا من تمديد إقامتهم، أما الاتحاد النسائي فكان يقدم أنشطة ثقافية وخيرية لعدد محدود من النساء.
لكن قلة عدد هذه المؤسسات لا تعني أن الفلسطينيين كانوا غير نشطين؛ بل كانوا نشطين ضمن المؤسسات المصرية نفسها، وهو ما كان يريده عبد الناصر: أكبر قدر ممكن من الدمج بين المجتمعات العربية. ويمكن القول إن قرارات جامعة الدول العربية لعام 1952 للحفاظ على الهوية الفلسطينية لم تكن كافية لمواجهة سياسات عبد الناصر نحو الوحدة العربية.
على الجانب الآخر، تُظهر الأحداث التاريخية أن تراجع حقوق الفلسطينيين في مصر، في بعض الفترات، كان بسبب عمليات مسلحة نفذتها منظمات فلسطينية ضد مسؤولين مصريين.
فمثلًا، بعد توقيع اتفاقية كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل، اغتيل وزير الثقافة المصري يوسف السباعي على يد أعضاء من جماعة منشقة عن منظمة التحرير الفلسطينية تُدعى "أبو نضال".
وقد حدث ذلك في 18 فبراير 1978، وكان له تأثير سلبي كبير على الجالية الفلسطينية المتنامية في مصر.
أدى هذا الحادث إلى مراجعة الحكومة المصرية للكثير من الامتيازات التي كان يتمتع بها الفلسطينيون، وبدأت المعاملة تتغير، فأصبحوا يُعدّون "أجانب". واستمر هذا النمط من عام 1982 فصاعدًا، ولا يزال الكثير من الفلسطينيين في مصر لا يحصلون على الجنسية، ويُعاملون كأجانب إداريًا.
ومع ذلك، كما أشرت في منتصف هذا النص، فإن الفلسطينيين مندمجون في المجتمع المصري بشكل عميق. ورغم محاولات بعض السياسيين بناء جدران فاصلة، فإنهم لم ينجحوا.
فلا يزال جزء كبير من المصريين، من عامة الناس إلى النخب الثقافية، يرون في قضية فلسطين ضحية للتسوية السياسية بين مصر وإسرائيل.
وما يستطيعونه اليوم هو أن يظلوا فاتحي قلوبهم وأذرعهم للفلسطينيين المنكوبين.

ارسال التعليق