قبيلة الدولة
رياض الفرطوسي
كاتب وباحث | عراقي
وزير يحتفل بمنصبه بين أهله وعشيرته مشهد لا يُحاكَم بذاته، فالفرح حق. لكنه يستدعي سؤالاً أقدم من الوزير: هل المنصب تكليف يُسأل صاحبه عنه، أم حصة يُسأل عنها من وزّعها؟ والعراق لم يطرح هذا السؤال أول مرة اليوم، فقد جرّبه قبلنا بأسماء وأزمنة مختلفة.
ففي بغداد حكمت أسرة المماليك نحو قرن ونصف، من أوائل القرن الثامن عشر حتى عام 1831. كان الحكم فيها (بيتاً) بالمعنى الحرفي: صهر يرث صهراً، ومملوك يرث سيده، والوظيفة تُورَّث كما يُورَّث الأثاث. ثم جاءت الدولة العثمانية بعد ذلك بإصلاحاتها، وبقانون الأراضي عام 1858 وجهود مدحت باشا في التسجيل والتوطين، وأرادت أن تحوّل القبيلة إلى رعية. فانتهى تسجيل الأراضي، في أحيان كثيرة، بتثبيتها باسم الشيوخ، وصار الشيخ مالكاً بتوقيع الدولة. ويروي حنا بطاطو في (الطبقات الاجتماعية القديمة والحركات الثورية في العراق) كيف تعمّق هذا المسار في العهد الملكي، حين بدأ بنظام دعاوى العشائر الذي وضعه البريطانيون عام 1918، ثم بقوانين ثلاثينيات القرن الماضي التي ربطت الفلاح بأرض شيخه. لم تكن القبيلة هنا تنازع الدولة، وإنما كانت الدولة نفسها تصنع الشيخ وتمنحه الصلاحيات، لأنها احتاجت إلى ولائه أكثر مما احتاجت إلى مؤسسة.
وبعد قرون جاء عهد آخر بشعارات مختلفة تماماً، ومع ذلك قال عنه عاموس بارام، في دراسته عن (القبلية الجديدة) في العراق في تسعينيات القرن الماضي، إن السلطة حين ضاقت بها الأحوال رجعت إلى العشيرة تستعين بها. وهذا يكشف نمطاً متكرراً: كلما قوي الضامن العام، تراجعت القرابة، وكلما ضعف، عادت من النافذة. وهو ما سمّاه فرانسيس فوكوياما (إعادة الطابع الأبوي)، أي أن الدولة الحديثة، مهما بنت من مؤسسات، قد تنتكس إلى لحظة تُعامل فيها المواقع العامة كأنها مِلك لمن يقفون خلف صاحبها.
وقد سبقهم ابن خلدون إلى أصل الفكرة، حين جعل العصبية تبني الدولة، ثم رأى أن الدولة إذا استقرت أخذت تنفرد بالمجد دون عصبتها. ولعل أدق ما في التاريخ العباسي من تجربة قريبة من هذا الباب هو البرامكة: أسرة تقلّبت في الوزارة والولايات عقوداً حتى بدا أن الدولة لا تقوم إلا بهم، ثم سقطت عام 803 في ليلة واحدة. ما ينفع من الدرس أن من يصعد بالقرابة لا يملك ضمانة أقوى من القرابة نفسها، وأن المنصب الموروث يبقى معلقاً بمزاج من يمنحه، فإذا تبدل المزاج تبدل المصير.
فإذا وضعنا هذا كله أمام معايير اليوم، وجدنا أن المسألة ليست في الأسماء. المقياس واحد في كل زمن: هل للمنصب باب معلن يدخل منه من يستحقه؟ وهل لمن يشغله أجل؟ وهل يخضع لقانون لا يعرف أخواله وأعمامه؟ فإذا غابت الأجوبة صار توزيع المناصب بين الأحزاب والبيوت أقرب إلى قسمة المراعي، وإن كُتب فوقه اسم الوزارة. والخطر ليس في فرد بعينه، فقد يكون كفؤاً، وإنما في أن يتعلم الشاب أن الطريق إلى الوظيفة يمر بالانتساب لا بالإتقان، فيهاجر أو يلتحق بخيمة تحميه.
ولا تضيع التجربة حين ننساها، فنحن لا ننسى شيئاً في الحقيقة. تضيع حين نعيدها بأسماء جديدة ونظنها جديدة. والخروج منها ليس خصومة مع القبيلة، فهي جزء من نسيجنا، وإنما بدولة تعطي المواطن ما كان يطلبه من شيخه: الإنصاف والحماية. حينها يستغني الناس عن الفخذ لأن القانون بات أقدر منه، لا لأن أحداً أمرهم بذلك.

ارسال التعليق