يوم النصر: تأصيل خطاب ثقافي في مواجهة الكراهيات
حسن الكعبي
حسن الكعبي. / كاتب عراقي
لا يمثّل يوم النصر في العراق لحظة عسكرية أنهت حضور تنظيم دموي كداعش، بل هو مناسبة تتجاوز أصداء المعركة إلى إمكان تأسيس لحظة وعي تاريخية تعيد تشكيل العلاقة بين المجتمع وذاكرته. فالانتصار، مهما كان كبيرًا، يظل ناقصًا إذا بقي محصورًا في دائرة السلاح دون أن يتحوّل إلى ثقافة. ومن هنا تأتي أهمية النظر إلى يوم النصر بوصفه فرصة فريدة لتأسيس خطاب ثقافي واعٍ يواجه الكراهيات بمختلف مصادرها، سواء تلك التي أنتجها الإرهاب أو تلك التي تُعاد صياغتها عبر الهويات الفرعية والسرديات التي تدّعي امتلاك الحقيقة. فالمجتمعات التي عانت العنف تعرف أن النصر الحقيقي يبدأ حين يتحوّل الألم إلى وعي، والجراح إلى معرفة، والصدمة إلى مشروع لبناء الإنسان.
لقد عرف العراق، عبر سنوات الحرب على الإرهاب، واحدة من أقسى التجارب في مواجهة خطاب العنف. وهذا الإرث، بما يحمله من مرارة ودماء وتضحيات، يمكن أن يتحوّل إلى رأس مال معرفي وأخلاقي إذا ما أُحسن توجيهه نحو مشروع ثقافي وطني يتجاوز الانفعالات الآنية إلى بناء منظومة متكاملة من الوعي المدني. فالتأصيل لخطاب ثقافي يعني تثبيت قواعد واضحة في نظرة المجتمع إلى ذاته وإلى الآخر، وإنتاج رؤية مشتركة ترفض كل خطاب يقوم على الإقصاء أو الانتقام، وتحوّل تضحيات العراقيين إلى سردية إنسانية جامعة بهوية لا تخشى التنوع، بل تحتفي به بوصفه عنصرًا للقوة والوحدة التي تستبعد اسباب الانقسام.
وإذا كان العراق يمتلك اليوم فرصة لبناء خطاب جديد، فإن تجارب الشعوب التي واجهت مآسي كبرى تقدّم نماذج ملهمة يمكن الإفادة منها. فألمانيا، بعد الحرب العالمية الثانية، لم تكتفِ بإسقاط النازية عسكريًا، بل تحولت الهزيمة إلى مشروع ثقافي كبير اشتغل على الذاكرة الجماعية، فوظّفت الفنون والسينما والمسرح لتوثيق فظائع الحرب وتحويلها إلى دروس أخلاقية، وبرز جيل أدبي جديد قاده هاينريش بول وغونتر غراس، وضع النقد الأخلاقي للعنف في قلب مشروعه الإبداعي. وفي رواندا، بعد الإبادة الجماعية عام 1994، تحوّلت الجراح إلى مشروع وطني لإعادة تعريف المواطنة، فأنشأت الدولة مراكز للذاكرة والسلام، وأعادت بناء الهوية على أُسس مدنية لا قبلية، واستطاعت بذلك أن تقلّص احتمالات عودة الكراهية التي مزّقت مجتمعها. أما جنوب أفريقيا، فحوّلت لحظة الانتصار على نظام الفصل العنصري إلى خطاب ثقافي أخلاقي يركّز على “الأمة قوس قزح”، مستخدمة الموسيقى والشعر والفن أدوات لتقريب المسافات بين السود والبيض وإعادة بناء الثقافة المدنية.
هذه التجارب تشير إلى أن الانتصار لا يُقاس بنتائج المعركة فحسب، بل بقدرته على خلق وعي جديد يمنع إعادة إنتاج الأخطاء نفسها. ومن هذا المنظور، يمتلك العراق فرصة حقيقية لتحويل يوم النصر إلى لحظة تأسيسية لبناء ثقافة سلام مستدامة. فالنصر العسكري، مهما بلغت قوته وطاقته الرمزية في التأثير على وعي المجتمع وتعزيز معنوياته في مواجهة الارهاب والانتصار عليه، فانه لا يكتسب قيمته الكاملة إلا حين يتحول إلى نصر ثقافي يعيد للإنسان العراقي ثقته بذاته ويجعله أكثر قدرة على مواجهة الكراهية، ويُعيد للذاكرة الجماعية دورها بوصفها مصدرًا للمعرفة في مواجهة الكراهيات.
ويمكن لهذا اليوم أن يتحوّل إلى عيد للمواطنة يستعاد فيه معنى الهوية الوطنية الجامعة، وتذوب فيه الهويات الفرعية بوصفها أدوات للتمييز لا للتنوع. كما يمكن أن يكون منطلقًا لإعادة تفعيل المؤسسات الثقافية، وتشجيع الفن والسينما والمسرح والآداب على توثيق التجربة العراقية بما تحمله من عمق إنساني ومأساوي، وتحويلها إلى خطاب ضد العنف والكراهية.
إن يوم النصر، إذا ما جرى التعامل معه بوصفه لحظة تأسيس لا بوصفه ذكرى عابرة، قادر على أن يفتح أفقًا جديدًا للمجتمع العراقي؛ تُهزم فيه سرديات الكراهية كما هُزم الإرهاب، وتنتصر فيه المواطنة كما انتصر السلاح، ويتحوّل فيه الماضي بكل مآسيه إلى قيمة معرفية وأخلاقية قادرة على حماية المستقبل. وبقدر ما يستلهم العراق تجارب الشعوب التي حولت انتصاراتها إلى مشاريع ثقافية، بقدر ما يستطيع أن يجعل من هذا اليوم بداية زمن جديد يعيد للإنسان مكانته وللوطن صورته المشرقة، ويؤسس لمجتمع لا يُعاد تشكيله بالخوف، بل في سياق مواجهة مخرجات الارهاب عبر منظومة القيم الثقافية المقاومة للعنف والارهاب والكراهيات المنفلتة.



ارسال التعليق