(أفعى كَلكَامش وقصائد أخرى) للشاعر غريب إسكندر تصل إلى القارئ الإسباني

 

نخيل نيوز /خاص

صدرت حديثاً في إسبانيا الترجمة الإسبانية للمجموعة الشعرية "أفعى كلكامش وقصائد أخرى" للشاعر العراقي غريب إسكندر، عن دار Averso Poesía، بترجمة وتقديم الدكتور عبد الهادي سعدون، أستاذ الأدب العربي في جامعة مدريد المركزية. وتعود المجموعة في صدورها الأول إلى بيروت عام 2012، عن دار الفارابي، قبل أن تواصل رحلتها خارج العربية. ففي عام 2016 صدرت بالإنكليزية في طبعة عربية–إنكليزية ثنائية اللغة عن Syracuse University Press، ضمن سلسلة Middle East Literature in Translation  بعد أن فازت بجائزة جامعة أركنساس بأميركا تعم 2015. 
وتكتسب الترجمة الإسبانية الجديدة أهميتها من كونها محطة ثالثة في مسار هذه المجموعة، التي انتقلت من العربية إلى الإنكليزية، ثم إلى الإسبانية، بما يتيح لتجربة إسكندر الشعرية الوصول إلى فضاء قرائي وثقافي جديد. كما أن الطبعة الإسبانية لا تقتصر على نص "أفعى كلكامش"، بل تقدم البناء الكامل للمجموعة، بما يضم "كتاب الصمت" و"كتاب النسيان" و"كتاب الدموع"، إلى جانب قصيدة "متاهة" التي تختتم العمل. وفي مقدمة ترجمته التي جاءت تحت عنوان "الخريطة الخفية للغياب" (El mapa invisible de la ausencia)، يقرأ عبد الهادي سعدون المجموعة بوصفها تجربة شعرية تنطلق من الذاكرة والفقدان، وتتحرك في منطقة تتجاور فيها الحياة والموت، والحضور والغياب، والذاكرة والنسيان. ويصفها بأنّها مجموعة لا تسعى إلى تقديم إجابات نهائية، بقدر ما تدخل إلى مساحة الجرح الإنساني، بحثاً عما يبقى حين تتلاشى الأشياء والأسماء والأمكنة والأحبة والأحلام.
وتحتل شخصية كَلكَامش مركزًا رمزيًا في هذه التجربة. فبحسب قراءة سعدون، لا يعود كَلكَامش مجرد بطل أسطوري ينتمي إلى الماضي السومري، بل يتحول إلى صورة للإنسان المعاصر في مواجهة الضياع والرغبة في فهم المصير. وبينما كان كَلكَامش القديم يبحث عن الخلود، تنشغل الذات الشعرية في المجموعة بأسئلة أكثر قربًا من الإنسان الحديث: كيف يمكن الاستمرار؟ وكيف يمكن مواجهة الغياب والخراب والمنفى، والبحث عن معنى للحياة وسط عالم مهدد بخسارات مستمرة؟ وفي هذا السياق، يبرز "الصمت" بوصفه أحد المفاتيح الأساسية في شعرية إسكندر. فهو ليس مجرد غياب للكلام، بل يتحول إلى حضور وذاكرة ومعرفة، بينما تصبح الدموع والنسيان والغياب محاور متكررة في الرحلة الداخلية للقصائد. ويربط سعدون كذلك بين هذه العناصر وتجربة المنفى، التي لا تظهر بوصفها انتقالًا جغرافياً فقط، وإنما بوصفها حالة روحية يعيش فيها الإنسان بين وطن وذاكرة، وبين ماضٍ لا ينتهي وحاضر لا يستقر.
وتتداخل في المجموعة التجربة الشخصية مع الذاكرة الجماعية. فالأب والعائلة والمدن والحب تتجاور مع صور الخراب والدمار، لتتحول التجربة الفردية إلى صدى لألم أوسع يخص زمناً وبلداً وإنساناً يبحث عن مكانه في العالم. ويشير سعدون إلى أن القصائد لا تخفي هشاشة الإنسان ولا تحاول تجميل الألم، وإنما تواجهه بنبرة هادئة، مدركة أنَّ بعض الأسئلة قد لا تمتلك إجابات نهائية. وقد لفتت الطبعة الإنكليزية السابقة إلى هذا البعد تحديدًا؛ إذ يقدم الناشر كَلكَامش المعاصر عند إسكندر بوصفه مواطنًا عراقيًا مجهول الاسم، عاش انهيار الدكتاتورية وظل تحت وطأة التهديد، لكنّه لا يبحث عن الخلود بقدر ما يبحث عن العزاء والحياة. وهكذا فهذه المجموعة تجعل من ملحمة كَلكَامش إطارًا لقصيدة حديثة عن العراق المعاصر بحروبه ومنافيه! 
وتأتي الترجمة الإسبانية، إذن، لتضيف لغة جديدة إلى رحلة "أفعى كَلكَامش وقصائد أخرى"، ولتمنح المجموعة فرصة أخرى للقراءة خارج سياقها العربي. فمن بيروت عام 2012، إلى الطبعة العربية–الإنكليزية في الولايات المتحدة عام 2016، وصولاً إلى مدريد وإسبانيا عام 2026، تواصل قصائد غريب إسكندر عبورها بين اللغات، حاملة أسئلتها عن المنفى والذاكرة والموت والحب والغياب، وعن قدرة الشعر على أن يحفظ ما تهدده الحياة بالنسيان. وتختتم مقدمة سعدون برؤية تلخص روح المجموعة: فالشعر، في النهاية، هو المكان الذي يمكن فيه للهشاشة الإنسانية أن تتحول إلى جمال، وحيث يصبح الغياب قابلاً للإصغاء، ويحتفظ الصمت بذاكرته، ويتحول الدمع إلى شكل من أشكال المعرفة.

 

 

اخبار ذات صلة

ارسال التعليق