"نزعوا الروح من داخلنا"... كيف يعيش آلاف الأشخاص بعد تجريدهم من الجنسية الكويتية؟
نخيل نيوز ـ متابعة
تعزو السلطات الكويتية إجراءات سحب الجنسية إلى أسباب متعدّدة، من بينها الغش في التجنيس، وازدواج الجنسية، وارتكاب مخالفات قانونية، مؤكّدةً أنّ الهدف هو إعادة ضبط الإطار التشريعي وتعزيز صلاحيات الدولة في هذا الملف السيادي.
كما أشارت إلى تعديلات حديثة تُحدّد الكويتيين الأصليين بأنهم المتوطّنون في البلاد قبل عام 1920 والمقيمون حتى 14 كانون الأول 1959، مع تثبيت حق النسب من الأب الكويتي، وتنظيم منح الجنسية للزوجة الأجنبية وأبناء المتجنّسين وفق شروط محدّدة.
وتنصّ التعديلات كذلك على إلزام المتجنّسين بالتنازل عن أي جنسية أخرى خلال ثلاثة أشهر، وإلّا عُدّ التجنيس مُلغىً، إلى جانب توسيع حالات سحب الجنسية وإسقاطها لتشمل الغش والتزوير والجرائم الخطيرة والأفعال الماسّة بأمن الدولة أو نظامها العام.
أثارت هذه الإجراءات جدلاً واسعاً بسبب آثارها القانونية والاجتماعية، إذ يعني سحب الجنسية فقدان حقوق الإقامة والعمل والملكية والدراسة داخل الكويت وخارجها، فضلاً عن خدمات الرعاية الصحية والتأمينات الاجتماعية ورواتب التقاعد ودعم العاطلين عن العمل ورعاية ذوي الإعاقة وكبار السن. ومن أبرز النتائج أيضاً ترحيل الشخص أو معاملته كأجنبي، فإذا لم تكن له جنسية أخرى أُدرج ضمن فئة عديمي الجنسية، أما إذا استعاد جنسيته الأصلية فيُعامل بوصفه مقيماً.
وبحسب معطيات متداولة، شملت قرارات سحب الجنسية منذ عام 2024 عشرات الآلاف من الحالات، مع حالات تبعية قد ترفع العدد الإجمالي إلى ما يقارب مئات الآلاف.
وقد تداول عدد من الناشطين لائحة مؤرّخة بتاريخ 29 نيسان الجاري، بأسماء 21 شخصاً سُحبت منهم الجنسية الكويتية، من بينهم الصحافي الكويتي الأمريكي أحمد شهاب الدين الذي صدر بحقّه حكم براءة بعدما أوقف لأكثر من شهر في الكويت، وذلك وفقاً للمادة 11 من قانون الجنسية الكويتية، والتي تنصّ على فقدان المواطن الكويتي لجنسيته في حال اكتسابه جنسية دولة أخرى بإرادته.
وتأتي هذه التطوّرات في سياق سياسي داخلي يتّسم بإعادة ترتيب العلاقة بين مؤسّسات الدولة، إذ اتّجهت الدولة إلى مقاربة أكثر تشدّداً في ملفّات الجنسية والأمن والقانون والممارسة السياسية الداخلية.
وتقول إحدى السيدات، وهي أردنية من أصل فلسطيني ولدت ونشأت في الكويت وتزوجت كويتياً، إنّها لا تعرف وطناً غير الكويت، وتصف نفسها بأنها "صناعة كويتية" بكل ما للكلمة من معنى. وتؤكّد أنّ قرار سحب الجنسية لم يكن مجرد إجراء قانوني، بل "نزعٌ للروح من داخلنا"، بعدما وجدت نفسها فجأة بلا كيان قانوني، وسط ضغوط نفسية واجتماعية "وتنمّر"، إلى جانب ما تصفه بحملة ممنهجة ضدّهن.
وتختصر حالها بالقول: "لا يمكنهم في يوم وليلة أن يلغوا مواطنيتي ووجودي".
سيدة أخرى تصف حالاتها بالقول انها وُلدت في الكويت لأبٍ عاش فيها أكثر من سبعين عاماً، تقول إنّها لم تعرف وطناً غير الكويت رغم أنّ والدها لم يحصل على الجنسية. درست وتزوّجت من كويتي وأنجبت أبناءً كويتيين، ثمّ حصلت على الجنسية قبل 26 عاماً. واليوم تجد نفسها أمام واقع آخر: "استيقظت فجأة لأكتشف أنّني لم أعد أعرف من أنا". وتشير إلى أنّ القرار، رغم كونه سيادياً، تسبّب برأيها في ظلم كبير وسلبها حقوقها.
بينما تؤكد سيدة من أصول لبنانية، وُلدت وعاشت طيلة حياتها في الكويت، تؤكّد أنّ انتماءها الوحيد هو إلى الكويت. تزوّجت في سنّ مبكرة وأسّست عائلة، وكانت حياتها مستقرّة إلى أن "وقعت الصاعقة" بسحب جنسيتها. تقول إنّها التزمت بالقانون في كلّ مراحل حياتها، وحصلت على الجنسية قانونياً وتخلّت عن جنسيتها الأصلية، لكنّها فوجئت بقرار "هزّ كيانها وجعلها تشعر وكأنّها تُعاقَب على ذنب لم ترتكبه".
ولا تصدر السلطات عادةً تفاصيل حول الحالات الفردية، مكتفيةً بالإشارة إلى أنّ قرارات الجنسية من الصلاحيات السيادية للدولة، ما يترك مساحة واسعة من الجدل القانوني والاجتماعي، في وقت تتداخل الاعتبارات السيادية مع تداعيات إنسانية واقتصادية واسعة تمسّ حياة المتضرّرين مباشرةً.
رغم أن ما يجري في الكويت يُعدّ من أوسع حملات سحب الجنسية في السنوات الأخيرة، فإن هذا النوع من السياسات ليس جديداً في التاريخ المعاصر، إذ شهدت دول عدة إجراءات جماعية مشابهة.
ففي ميانمار، حُرم مئات الآلاف من الروهينغا من الاعتراف القانوني بهم بعد قانون الجنسية لعام 1982، ما جعلهم عديمي الجنسية.
وفي جمهورية الدومينيكان، أثار حكم قضائي صدر عام 2013 جدلاً واسعاً بعد أن سحب الجنسية من مئات الآلاف من ذوي الأصول الهايتية.
أما في البحرين، فقد توسّعت سياسة إسقاط الجنسية بعد احتجاجات 2011، واستُخدمت بحق من اتُّهموا بالإضرار بأمن الدولة أو بالتخابر مع جهات خارجية.

ارسال التعليق