بمناسبة مئويته.. من الريف إلى العالمية.. بولغاكوف أحد أكثر الأدباء شهرة في التاريخ
نخيل نيوز ـ متابعة
تُحيي الأوساط الأدبية، اليوم 15 مايو، الذكرى الـ 135 لميلاد ميخائيل بولغاكوف، الروائي الذي أبى أن تموت روحه مع جسده، فظلّت كلماته تتجدد وتتقد في أرواح القراء جيلا بعد جيل.
وبمناسبة هذا اليوبيل، كشفت دراسة تحليلية شاملة أجرتها منصة "ليتريس" للكتب الرقمية (في الفترة من يناير حتى منتصف مايو 2026) عن تربّع بولغاكوف على عرش الصدارة بوصفه أكثر أدباء القرن العشرين مبيعا، متقدما على أنطون تشيخوف، وليونيد أندرييف، ومكسيم غوركي، وألكسندر كوبرين.
أما على صعيد التاريخ الكلاسيكي الروسي الممتد، فقد استقر بولغاكوف في المرتبة الثانية بعد العملاق فيودور دوستويفسكي الذي تصدر المشهد، ليحل فلاديمير نابوكوف في المرتبة الثالثة، يليهما ليف تولستوي وألكسندر بوشكين في المركزين الرابع والخامس.
ولم تتوقف حيازة بولغاكوف للذاكرة الإبداعية عند الحدود القومية، بل تألق عالميا بالمرتبة التاسعة ضمن قائمة أعظم عشرة أدباء كلاسيكيين حول العالم، في تصنيف دولي يتصدره دوستويفسكي، ويتبعه إيريش ماريا ريمارك ثم تولستوي، متقاطعين مع أسماء صاغت وجدان الأدب العالمي مثل سومرست موم، وآين راند، وأرشيبالد كرونين، وشارلوت برونتي، ليكون الروائي سيرغي دوفلاتوف مسك الختام لهذه الكوكبة الزاهرة.
وُلد ميخائيل أفاناسييفيتش بولغاكوف في 15 مايو 1891 في كييف، ونشأ بين ستة من الإخوة والأخوات في بيئة فكرية وإبداعية في كنف أسرة مثقفة، إذ كان أبوه أستاذا في أكاديمية كييف اللاهوتية. وبعد تخرجه من ثانوية كييف الأولى، التحق بكلية الطب في جامعة المدينة ذاتها.
خلال الحرب العالمية الأولى، خاض بولغاكوف تجربة الميدان طبيبا في المستشفيات العسكرية الميدانية، ثم أمضى عاما كاملا يعمل في مستشفى نيكولسكايا الريفي بمقاطعة سمولينسك، حيث كان يواجه يوميا أشدّ الحالات إيلاما. وتشير السجلات إلى أنه استقبل في تلك الفترة ما يزيد على خمسة عشر ألف مريض، وقد نسج من تلك التجربة المُضنية لاحقا سلسلته الرائعة "مذكرات طبيب شاب".
وخلال الحرب الأهلية، جُنِّد عام 1919 طبيبا عسكريا في جيش جمهورية أوكرانيا الشعبية، ثم انضم في خريف العام نفسه إلى فوج تيريك القوزاقي الثالث بالصفة ذاتها. وفي مطلع العشرينيات، وضع ثوب الطب جانبا، وشدَّ رحاله إلى موسكو، ليُطلق روحه في فضاء الأدب.
بدأ بولغاكوف مسيرته الأدبية الموسكوفية صحفيا، ينشر هنا وهناك، حتى اشتهر اسمه برواية "الحرس الأبيض"، تلك الملحمة التي استلهمها من وقائع الحرب الأهلية، ثم أعاد صياغتها مسرحية تحت عنوان "أيام توربين". ورغم أن المسرحية لم تُنشر في موطنه خلال حياته، إلا أنها لاقت نجاحا باهرا في مسرح موسكو للفنون.
وفي أبريل 1929، أُسدل الستار عن المسرحية بذريعة الأيديولوجية البرجوازية، إلا أن يوسف ستالين نفسه أصدر أمره بإعادتها إلى الخشبة، فعادت لتستقر في قلب الريبرتوار الكلاسيكي حتى يونيو 1941.
لم تكن الرقابة تُفارق خطى بولغاكوف، إذ حُظرت كثير من أعماله أو صودرت قبل أن تصل إلى القرّاء. ومع ذلك، لم تثنِ القيود همّته، فكتب في مطلع 1925 روايته الساخرة "قلب كلب"، وقرأها في جلسة الأدباء المعروفة بـ"سبوتات نيكيتين"، حيث أشاد الحضور ببولغاكوف لتصويره الصادق للحياة، لكن أحد عملاء جهاز الأمن السوفيتي الحاضرين في الاجتماع لم يُعجب بالعمل.
أُجريت تفتيشات في منزل الكاتب، وصودرت المخطوطة ونسختاها. ولم تُعَد إليه إلا في نهاية العشرينيات بفضل وساطة مكسيم غوركي. وظلت الرواية تتداول سرّا في دوائر الساميزدات السوفييتية (النشر السري)، إلى أن نُشرت عام 1967 بصورة مشوّهة في ألمانيا وبريطانيا، ولم تبلغ القرّاء السوفييت في وطنها إلا في عهد البيريسترويكا.
تُعد رواية "المعلم ومارغريتا" أعظم أعمال بولغاكوف، التي أفنى في صياغتها اثني عشر عاما من عمره، وظلَّ حتى رمقه الأخير وهو على فراش الموت يُملي على زوجته، إيلينا سيرغييفنا، تعديلاته ورحل قبل أن يُتمّها.
وفي 10 مارس 1940، غيّب الموت ميخائيل بولغاكوف عن عمر ناهز 48 عاما، إثر معاناة مريرة مع مرض الفشل الكلوي المزمن. والمفارقة الدرامية أن الأديب الراحل كان يصف جرعات المورفين لنفسه لتخفيف أوجاعه بحكم مهنته الأصلية كطبيب، في وقت تولى الإشراف على علاجه البروفيسور فلاديمير فينوغرادوف، طبيب ستالين الخاص. ويرى أطباء اليوم أن تشخيصاته ووصفاته الطبية لمرضه كانت سليمة تماما بمقاييس عصره، إلا أن محدودية التكنولوجيا العلاجية آنذاك حالت دون نجاته.
ورغم رحيله المبكر، صانت زوجته المخطوطة الثمينة بوفاء نادر عقودا من الزمن بعيدا عن أعين الرقابة السوفيتية، حتى أبصرت الرواية النور أخيرا عام 1966 في صورة مختصرة عبر مجلة "موسكفا"، لتشق أعظم رواية في الأدب الروسي الحديث طريقها إلى وجدان الإنسانية وتمنح صانعها خلودا أبديا.


ارسال التعليق