"عوالي" لـ سلوى عمارين.. كينونة المرأة بين الزوجية والأمومة
نخيل نيوز /خاص
في رواية "عوالي" للكاتبة الأردنية سلوى عمارين، يدخل القارئ إلى عالم امرأةٍ تتأرجح بين انبهار المكان وغصّة الداخل، فتبدو الحكاية في ظاهرها رحلةً إلى باريس، وفي عمقها رحلةً أكثر التواء: رحلة انتظارٍ طويلٍ يختبر الروح، ويعيد تعريف المعنى، ويجعل من التفاصيل اليومية مرايا كبيرة للقلق والرغبة والخوف. في هذه الرواية الصادرة عن "الآن ناشرون وموزعون" بالأردن (2026)، لا تُقدَّم البطلة بوصفها شخصية تُختصر في حدثٍ أو عقدة، بل بوصفها كائنًا يسير على حافة أسئلة كثيرة: أسئلة الأمومة، والحنين، والقدر، ومكان المرأة في قلب الحياة حين يتأخر حلمٌ واحد فيسرق ضوء الأعوام.
وتضم الرواية التي تقع في 160 صفحة، محطات سردية تتتابع بإيقاع روائي متوازن، تتنقل بين المشاهد الخارجية التي ترصد المدينة وما فيها من "دهشة"، وبين المشاهد الداخلية التي تفضح هشاشة القلب وقوته معًا، وصولًا إلى خاتمة تُغلق بعض الدوائر وتترك للقارئ مساحة واسعة للتأويل والانحياز العاطفي لشخصياته.
منذ الصفحات الأولى، تفتح الرواية بابها على لحظةٍ تبدو بسيطة لكنها شديدة الدلالة: البطلة تقف قرب برج إيفل، تراقب الربيع وهو يلوّن العالم، لكنها لا ترى الألوان وحدها، بل ترى ما لا يُقال في القلب. تقول سلوى عمارين على لسان عوالي: «الربيع يلوّن العالم كلّه»، قبل أن تهمس بجملة تحمل فلسفة الرواية كلها: «رؤومة هي الدنيا في أحيان كثيرة، حدوبة هي الحياة». هنا تُلمّح الرواية منذ البدء إلى أن الحياة قد تمنح الإنسان مشهدًا مبهجًا، لكنها في الوقت نفسه لا تتوقف عن امتحانه بأوجاعٍ خفية، وأن الجمال الخارجي قد يكون مجرد ستارٍ لحزنٍ داخليٍّ يرفض المغادرة.
ومع تقدّم الصفحات، لا تذهب الرواية إلى "تسريب الأسرار" بقدر ما تعمّق الإغواء النفسي للقارئ: كيف تتحول الرغبة إلى زمنٍ كامل؟ وكيف يصبح الانتظار شخصيةً ثالثة تتدخل في التفاصيل؟ في فصلٍ من أكثر الفصول إثارةً للشفقة والدهشة، نرى عوالي وهي تحاور الغياب كما لو كان حاضرًا، فتسأل –لا لتعرف الإجابة– بل لتمنح قلبها حق الكلام: «وعندما تنتهي هذه المزحة التي طالت أيامها ما هو الاسم الأنسب الذي سأمنحه لولدي المنتظر؟». ثم تتعالى نبرة السخرية من الألم لتصير جملةً لافتة لا تُنسى: «إنه فصل الخريف يا أولاد الحارة الأفاضل، ولا عاجبكم أظل (أتوحّمكم)؟». مثل هذه اللحظات لا تحكي "القصة" بقدر ما تحكي "الإنسان": امرأة تحاول أن تستبقي نفسها عبر اللغة، وأن تحمي حلمها من الانهيار بالضحك، وأن تمنح وجعها ملامح كي لا يتحول إلى فراغ.
وتتسع الرواية كذلك لمساحة أخرى لا تقل أهمية: مساحة التصالح مع النفس، أو محاولة التصالح على الأقل. فالحياة ليست فقط ما نريده، بل أيضًا ما يحدث لنا رغمًا عن رغباتنا. ومن هنا تأتي واحدة من أكثر العبارات كثافةً في الرواية، حين تتأمل عوالي معنى البشر، فتقول: «نحن في نهاية الأمر بشرٌ معجونون من خلطةٍ عجيبة التوارد بين أجسادنا وأرواحنا». هذه الجملة لا تظهر بوصفها حكمة جاهزة، بل بوصفها خلاصة رحلاتٍ داخلية متراكمة: نعيش ونحب ونتألم ونحاول أن نفهم ما لا يُفهم بسهولة، ثم نعود فنحاول مرة أخرى.
وتنجح «عوالي» في جذب القارئ بالرهان على منطقة التوتر الإنساني لا على المفاجأة السردية وحدها. كل فصل يفتح بابًا صغيرًا على قلب البطلة: مرة عبر مشهد في باريس، ومرة عبر ذكرى، ومرة عبر سؤال مؤجل، ومرة عبر تهكمٍ من واقعٍ لا يلين. وبين هذه الأبواب يكتشف القارئ أنه أمام رواية عن امرأةٍ ترى العالم بعينين: عينٍ مفتونةٍ بجماله، وعينٍ موجوعةٍ من قسوته. ومن هذا التداخل يصير النص مرآةً لأي قارئ عرف معنى الانتظار، أو اختبر ألم الفجوة بين ما نتمنى وما يحدث.
في النهاية، تترك «عوالي» أثرها لأنها رواية عن الروح وهي تحاول أن تظل حيّة، حتى عندما يتباطأ القدر، وحتى عندما يبدو الحلم بعيدًا. إنها رواية لا تسرد "حكاية امرأة" فقط، بل تكتب سيرة سؤالٍ إنساني كبير: كيف نعيش حين لا يتحقق ما نريده؟ وكيف نصنع معنىً من الانتظار دون أن نفقد أنفسنا؟

ارسال التعليق