في اليوم العالمي للعُسر.. أن تكون "أعسر" لا يعني فقط استخدام اليد اليسرى، وإنما أعضاء أخرى كذلك!
نخيل نيوز - متابعة
اليوم 13 آب هو اليوم العالمي للعُسر - أو من يستخدمون اليد اليسرى بشكل أساس، ولا يزال الغموض يكتنف السبب الذي يجعل عدد من يستخدمون يُسراهم بشكل أساس يقل نسبياً عن من يستخدمون اليد اليمنى.
رغم ذلك فإن الدراسة العلمية لظاهرة "الإعسار"، وهو تفضيل استخدام اليد اليسرى أكثر من اليمنى، تكشف حقائق مشوقة عن الإنسان؛ بدءاً من كيف يمكن أن يغير ذلك من الطريقة التي يفكر بها، وصولاً إلى حقيقة أن هناك بيننا من يمكن أن يكونوا "عُسراً" ولكن في حاسة السمع هذه المرة، وليس في اليد.
ولكن ما الذي يجعل ليدٍ ما الغلبة على الأخرى، ولماذا يكون مستخدمو اليد اليسرى هم الأقلية؟
أن اعتماد المرء على يدٍ بشكل أكبر من الأخرى، هو نموذج يمتد كذلك إلى أعضاء أخرى، من بينها العينان على سبيل المثال. ويمكن لكلٍ منّا التعرف على ما إذا كان "أعسر" العين، أم لا من خلال التجربة التالية:
مد إحدى ذراعيك، وارفع الإبهام أمامك. بعد ذلك، انظر له بكلتا عينيّك ثم بكل عينٍ على حدة مع تغطية العين الأخرى. وهكذا فستكون عينك الأكثر قوة، هي تلك التي تُمكِنُكَ من رؤية الأصبع وهو أقرب ما يكون إلى صورته الأصلية.
وبوسعك بالمثل اختبار أذنيك؛ لتحديد أيهما تستخدمها تلقائياً عند الرد على اتصال هاتفي؟ أو للتنصت بها – سراً – على حديث يدور خلف جدار؟
ومن الطريف أن يرصد المرء مثل هذه الأمور وهي تحدث بالفعل في حياته الواقعية. ففي كثيرٍ من الأحيان، نجد حمل شخص الهاتف بيه اليسرى ووضعه - على نحو أخرق بالأحرى - على أذنه اليمنى، وذلك بينما يخط كلماتٍ على عجل بيده اليمنى.
يمكن هنا القول إن مثل هذا الوضع الغريب لم يكن ليحدث من الأصل، إذا ما كانت الراحة هي الاعتبار الأهم في هذه الحالة. لكن الأمر يتعلق في هذا الشأن – على ما يبدو - بالسعي لاستغلال كل مكامن القوة الطبيعية لدينا.
بالإجمال، هناك 40 في المئة منّا يعتمدون في السمع على الأذن اليسرى أكثر، و30 في المئة يرون أفضل بالعين اليسرى، فيما ينعم 20 في المئة بقدم يسرى أكثر قوة من اليمنى.
الغريب أن النسبة تقل كثيراً إذا ما كان الأمر يتعلق بمن هم "عُسر"، إذ إن نسبتهم لا تتجاوز 10 في المئة من البشر. فما السبب في ذلك؟ ولِمَ يشكلون أقلية بيننا؟
في غابر الأزمان، كان هؤلاء يُطردون من بين صفوف التلاميذ بشكل مدوٍ وعلى نحو يصمهم بالخزي والعار، باعتبارهم منحرفين عن "الطريق الطبيعي". بل إن الدلالات السلبية المرتبطة على نحو غريب بالشخص الأعسر لا تزال باقية في بعض اللغات.
فمفردة "أيسر" أو left باللغة الإنجليزية مُشتقة من أصل لغوي أنغلو-ساكسوني كان يُكتب على هذه الشاكلة lyft ومعناه "ضعيف". أما الكلمة المناقضة لـ"أيسر" في اللغة اللاتينية فهي dexter، وتعني "أيمن" وكانت ترتبط بالمهارة والاستقامة والورع والإنصاف.
إذن، ما الذي يحدد ما إذا كان شخصٌ ما سيصبح أعسر أم لا؟ إذا نظرنا إلى الأمر من زاوية نظرية التطور، سنجد أنه من الملائم أكثر أن يركز المرء على استخدام يدٍ واحدة أكثر من الأخرى. ولنضرب مثالا هنا بصيد الشمبانزي للنمل الأبيض. إذ يختار الشمبانزي "اليد" التي يجدها أكثر ملائمة من بين أطرافه، ليدسها في التل الذي تعيش فيه تلك الحشرات، إذ توفر له حاسة اللمس الكثير من المعلومات بشأن عمق التل وعرضه ومدى اكتظاظه بالنمل الأبيض اللذيذ بالنسبة لهذا النوع من القردة.
بعد ذلك يسحب الشمبانزي "يده" بخفة، ليكشف عن فرائسه التي تحاول أن تُعمِل فكوكها بقوة في ذاك الحيوان الدخيل، دون أن تدرك أن ذاك الغازي الذي يتضور جوعاً على وشك التهامها. ومن شأن استخدام الشمبانزي "اليد" نفسها في أداء تلك المهمة في كل مرة؛ جعله أكثر إتقاناً فيها وتمكينه من التهام عدد أكبر من النمل خلالها كذلك.
لكن دراسة العلماء المتخصصين في رتبة "الرئيسيات" لقردة الشمبانزي التي تعيش في البرية، أشارت إلى أن نمط استخدامها لأطرافها يختلف عنّا تماماً.
وفي ظل المعطيات الحالية، ليس بوسعنا التعرف على السبب المحدد لنزوع البعض لاستخدام يدٍ بشكل أكبر من الأخرى، كما أنه ما من تفسيرٍ لدينا لكون "العُسر" هم الأقلية، ولذا تبقى الإجابة عن أي سؤال في هذا الصدد "ليس لدينا علم بذلك".
ولكن هل كون المرء أعسر اليد يخلّف أيَ تأثيرٍ على حياته، بخلاف معاناته - ولو قليلاً - في العثور على مقصٍ مُعد بشكل ملائم لاستخدامه بيده اليسرى، أو سحاب سروال لا يضنيه إغلاقه، أو قلم حبر مريح بالنسبة له؟
لطالما دار جدال حول ما إذا كان نزوع المرء لاستخدام اليد اليسرى يؤثر بأي شكل على دماغه أم لا. فالجانب الأيمن من الدماغ يتحكم في اليد اليسرى والعكس بالعكس. ولذا فقد يؤدي كون المرء أعسر اليد إلى ترك آثارٍ غير مباشرة – ولكن لا مفر منها – على الشاكلة التي يُنسق بها عمل الدماغ.
وفي هذا السياق، يقول عالم النفس كريس ماكمانس من كلية لندن الجامعية، وهو مؤلف كتاب "يد يمنى.. يد يسرى": "إن الطريقة التي ينتظم بها دماغ الشخص الأعسر تتسم بتغير وتنوع كبيرين".
ويضيف ماكمانس قائلاً: "حدسي الشخصي يفيد بأن الأعسر ينعم بموهبة أكبر، ويعاني من أوجه قصور أكثر أيضا. فإذا ما كنت كذلك، فقد تجد نفسك إزاء طريقة مختلفة قليلاً فيما يتعلق بالشكل الذي يُنظم دماغك على أساسه، وهو ما قد يهبك مهاراتٍ لا ينعم بها أشخاص آخرون".
لكن هناك من لا يتفقون مع هذا الرأي. من بينهم، دوروثي بيشوب، أستاذة علم النفس العصبي التطوّري في جامعة أكسفورد. ولدى هذه السيدة اهتمامٌ شخصيٌ بالأمر، فهي عسراء أيضاً، وهو ما جعلها تتساءل دائماً – كما تقول – عن السبب الذي جعلها مختلفة عن سواها.
تقول بيشوب: "على مدار سنوات، ثارت ضروبٌ شتى من المزاعم التي تربط كون المرء أعسر اليد بالمعاناة من حالات عجزٍ مثل عسر القراءة، أو التوحد. في المقابل، كان هناك ربطٌ (لهذا الأمر) بسمات إيجابية، إذ يُقال إن المهندسين المعماريين والموسيقيين غالباً ما يكونون من العُسر".
على أي حال، لا يزال النقاش محتدما في هذا الشأن، وما زلنا بحاجة للتعرف على الكثير من المعلومات الخاصة بطبيعة دماغ الشخص الأعسر.
ويتمثل جانبٌ من هذه المشكلة في أن علماء الأعصاب، الذين يبحثون جوانب متنوعة من السلوك البشري، لا يجرون الدراسات التي يستخدمون فيها تقنية تصوير الدماغ باستخدام الرنين المغناطيسي، إلا على من ينزعون لاستخدام اليد اليمنى بشكل أكبر، وذلك في مسعى منهم لتقليص الفوارق بقدر الإمكان بين الخاضعين للدراسة.
وهكذا لا يُفسح المجال أمام الشخص الأعسر لكي يكون خاضعاً لدراسة علمية ما، إلا إذا كانت هذه الدراسة تتناول الإعسار من الأصل.
وقد تسنى العلم بمثل هذا الأمر بفضل دراسات رائعة أجراها بيتر هَبَر، الباحث بجامعة "كوينز" في بلفاست، لفحص حركة الجنين داخل الرحم باستخدام الموجات فوق الصوتية.
فقد كشفت هذه الدراسات عن أن تسعة من كل عشرة أجنة، يفضلون مص إبهام اليد اليمنى، وهو ما يماثل نسبة من ينزعون لاستخدام ذات اليد بين السكان عموماً. وعندما تابع الباحث حالة هؤلاء الأجنة بعد سنوات عديدة من ولادتهم، وجد أن مَن كانوا مِنهم يمصون إبهام يُمناهم بداخل الرحم أصبحوا يفضلون استخدام اليد نفسها خلال حياتهم خارجه، أما من آثروا مص إبهام يُسراهم فقد باتوا عُسراً.



ارسال التعليق