لماذا نريد أن يبقى لنا ذِكْر بعد موتنا؟

 

نخيل نيوز ـ متابعة
تشير مجموعة متزايدة من الأبحاث إلى أن فهم اهتمام الإنسان الفطري بترك شيء للأجيال القادمة بعد وفاته قد يكشف عن طرق جديدة لتحسين الصحة النفسية.
وتقول هانتر، وهي أستاذة مشاركة في جامعة بولينغ غرين الحكومية بولاية أوهايو الأمريكية ومتخصصة في دراسة الإرث في سياق النجاة من السرطان: "الغالبية العظمى من الناس لا يفكرون في الأمر".
لكن الإرث يمكن أن يظهر بطرق مختلفة، وقد يكون فعلاً غير واعٍ أيضاً. وتضيف: "كل شخص يترك إرثاً، سواء أدرك ذلك أم لا".
ولا يقتصر الأمر على توريث المال أو الممتلكات، أو الأعمال الخالدة مثل الموسيقى والكتابة، بل يقسم بعض الباحثين الإرث إلى 3 فئات رئيسية متداخلة هي الإرث البيولوجي الذي نتركه عبر أجسادنا وجيناتنا، والإرث المادي الذي يتمثل في الثروة والممتلكات، وإرث القيم مثل الإيمان والثقافة والتراث.
الإرث البيولوجي
بالنسبة لكثيرين، فإن الشكل الأكثر وضوحاً للإرث البيولوجي يتمثل في نقل الجينات من خلال إنجاب أبناء بيولوجيين، لكن السلالة الجينية، التي تشير إلى خط النسب المرتبط بالجينات، والإرث، أي الأثر الذي نتركه بعد الوفاة، قد يكونان أمرين مختلفين.
كما قد يشمل ترْك إرث بيولوجي التبرع بأجسادنا نفسها، ففي الولايات المتحدة، يوجد نحو 170 مليون شخص مسجلين كمتبرعين بالأعضاء، رغم أن 3 فقط من كل ألف شخص يموتون في ظروف تسمح بالتبرع الناجح بالأعضاء.
ويرغب بعض الأشخاص أيضاً في التبرع بأجسادهم كاملة للعلم، بحيث تُستخدم لتعليم طلاب الطب أو في الأبحاث، مثل تطوير إجراءات طبية جديدة، وفي الولايات المتحدة، تم تلقي أكثر من 26 ألف تبرع بالأجساد في عام 2021.
وفي دراسة حديثة شملت أكثر من 100 شخص مسجلين للتبرع بأجسادهم في بلجيكا، كانت الرغبة في المساهمة في العلم الدافع الرئيسي لدى 57 في المئة منهم، وشملت الدوافع الأخرى الإيثار والامتنان للرعاية الطبية، لكن اللافت أن 16 في المئة قالوا إن دافعهم كان منح معنى لموتهم.
وفي إحدى الدراسات التي أجرتها هانتر على ناجيات من السرطان، أعربت المشاركات عن أملهن في أن يدفع إرثهن أفراد العائلة إلى تبنّي سلوكيات صحية إيجابية والخضوع لفحوصات الكشف عن السرطان. وتقول هانتر إن "ترْك أثرٍ ما" كان أمراً مهماً للنساء اللواتي واجهن احتمال الموت بعد تشخيص إصابتهن بالسرطان.
وترى هانتر أن أهمية الإرث قد يكون لها تأثير أوسع على الأبحاث الطبية أيضاً، إذ قد تشجع مزيداً من المرضى على المشاركة في التجارب السريرية.
كما أن التفكير في الإرث يمكن أن يمنح شعوراً بالراحة لمن يواجهون الموت الوشيك، ففي رعاية نهاية الحياة، بغض النظر عن العمر، تساعد بعض المستشفيات ودور الرعاية المرضى على القيام بما يُعرف بـ"أنشطة الإرث" لمساعدتهم على إنهاء حياتهم بطريقة ذات معنى بالنسبة لهم ولعائلاتهم.
ويُعد العمل الخيري، كالتوريث العقاري أو نقل الممتلكات الثمينة إلى الآخرين، من الطرق التي يمكن من خلالها ترْك إرث مادي. كما يمكن أن تُعد المقتنيات العائلية مثل الصور الفوتوغرافية واليوميات وسائل عزيزة لنقل تاريخ العائلة وذكرياتها. كذلك فإن التبرع بمبنى يحمل اسم الشخص، على سبيل المثال، يترك أثراً في المجتمع أيضاً.
لكن الأبحاث تشير إلى أن أكثر ما يرغب الناس في تمريره كإرث لهم هو القيم والمعتقدات، مثل اللطف وأهمية مساعدة الآخرين.
وفي إحدى الدراسات التي تناولت قصص 38 امرأة من أعمار وحالات صحية مختلفة، تبيّن أن المشاركات كنّ يتطلعن إلى نقل الخبرات والقيم إلى الآخرين.
ويبدو أن ترْك إرث من القيم يحمل فوائد عديدة، فعندما أجرى فريق من الباحثين الأمريكيين مقابلات مع مجموعة من البالغين الذين تزيد أعمارهم على 65 عاماً وكانوا قد أعدوا وثيقة لإرث قيمهم، وجدوا أن المشاركين تمكنوا من الوصول إلى السلام الداخلي، وتقبّل الماضي، والتعبير عما كان الأكثر أهمية بالنسبة لهم، كما منحهم ذلك دافعاً للاستمرار في الحياة.
ووصف عدد من المشاركين ترْك إرث من القيم بأنه "هدية ملموسة"، في حين قال أحدهم إن هذه العملية "تُذكّرك بما مررت به، وما هي العقبات التي واجهتها، وكيف واجهتها، وما هي الفلسفات التي ساعدتك على تجاوزها".
وعلى الرغم من أن البشر فكروا على الأرجح في الإرث لآلاف السنين، إلا أن الباحثين لم يبدأوا بدراسة هذا المفهوم إلا منذ حوالي 75 عاماً، ففي عام 1950، صاغ المحلل النفسي الألماني إريك إريكسون مصطلح "العطاء"، واصفاً إياه بأنه مدى اهتمام الشخص برفاهية الآخرين، لا سيما في ما يتعلق بفائدة الأجيال القادمة.
وبالطبع، هناك دافع آخر يدفع البشر إلى ترْك إرث، وهو الخوف من الموت.
وتقول كيمبرلي ويد-بينزوني، أستاذة الإدارة والمنظمات في كلية فوكا للأعمال بجامعة ديوك في ولاية كارولاينا الشمالية: "إن هذا الدافع يجعل الناس يتساءلون.. ما جدوى الحياة إذا كنا سنموت في النهاية؟".
وتضيف: "الموت هو جوهر سيكولوجية دوافع الإرث، فعندما نتذكر الموت، نتذكر أننا لا نريد أن نموت، بل نريد أن نعيش".
وترى أن التفكير في الإرث يمكن أن يساعد الناس على الانتقال من حالة "القلق من الموت" إلى حالة "التأمل في الموت".
ويقول جيسي بيرينغ، أستاذ علم النفس في جامعة أوتاغو بنيوزيلندا: "يمكن النظر إلى دافع الإرث كجزء من حاجتنا إلى سرد قصصي متماسك".
ويضيف: "نحن نضع أنفسنا كبطل في رحلة بطولية، والدروس أو العبرة من القصة، أو المغزى النهائي إن صح التعبير، تُنقل إلى الجمهور، أي الجيل التالي".
ومن المعروف جيداً أن الإنسان يحتاج إلى التواصل مع الآخرين طوال حياته، إذ يحسّن ذلك من صحته ويعد مصدراً أساسياً للسعادة، ولذلك قد يكون الإرث أيضاً "امتداداً اصطناعياً" لحاجة الإنسان إلى أن يكون محبوباً.
ورغم تزايد حجم الأبحاث في هذا المجال، فإن سبب رغبة الإنسان في أن يُذكر بشكل إيجابي بعد موته لا يزال لغزاً إلى حد ما. ويقول بيرينغ: "في النهاية، إذا كنت تعتقد أن الوعي المستمر يتطلب وجود دماغ، فسنكون غير قادرين نفسياً على معرفة أو الاستمتاع بسمعتنا بعد الموت".
وتقول ويد-بينزوني إن الحقيقة هي أنك لا تستطيع التحكم في إرثك، "فالأشخاص الذين يرثونه هم من يملكون حق تفسيره وإعادة 
والتفكير في بناء إرث طوال الحياة يتيح للناس اتخاذ قرارات تتماشى مع المعنى الذي يرغبون في تركه وراءهم، وهذا بدوره يشجع على تعزيز السلوكيات الإيجابية اجتماعياً، مثل النشاط البيئي أو التبرع بمزيد من الثروة للأعمال الخيرية أو الأبحاث الطبية.
ويرى الباحثون أن الفائدة مزدوجة، فهي تمنح الإنسان شعوراً بالدافع والمعنى أثناء حياته، و"خلوداً رمزياً" بعد موته، عبر امتداد أثره إلى المستقبل حتى لو لم يكن موجوداً جسدياً.

اخبار ذات صلة

ارسال التعليق