مقياس الشعر: كمية الشعر في القصيدة
علي الإمارة
علي الإمارة
شاعر وباحث | عراقي
ما مقياس الجودة في الشعر والى أي شيء نحتكم حين يكون بين أيدينا نص شعري ما.. على منصة التحليل والتقييم، نص ارتقى هذه المنصة مجردا من الشاعر والتجربة الإنسانية أو البيئية أو الوسط الثقافي أو حتى التجربة "الشعورية" التي تقف وراءه - أي عندما لا نكون بصدد فحولة الشاعر - كما يقول ابن سلام الجمحي - وإنما بصدد فحولة النص ان جاز التعبير، فليس بين ايدينا سوى كلمات ارتبطت ببعضها عبر علاقات لغوية ودلالية فكونت نسيجا دخل فضاء الكلام بأدوات الشعر فهو اذن شعر أو هكذا يدعي كاتبه، فالمسافة بين الادعاء والتحقيق يجب أن تملا بشروط تكون بمثابة جسور يعبر عليها الكلام إلى ضفة الشعر، وهذه الشروط – الجسور ينبغي أن تكون قوية ومتينة لكي لا يغرق الكلام في المسافة بين النثر والشعر...
بل أن هذه الشروط أو المعابر هي التي تضفي على النص شرعيته ليكون شعرا، أما أي نوع من الشعر وأية درجة من الجودة والابداع فهذه مسافة آخرى تبدأ من الضفة الثانية – الشعر
أي اننا في المرحلة الأولى نحتكم الى الشروط الاساسية للشعر.. مواصفاته وتعريفاته العامة، أو لنقل شروط الحد الادنى منه.
اما المرحلة الثانية فاننا نحتكم الى شروط ارتقائه وتميزه ضمن منطقة الشعر نفسها. أي نرصد الطاقة الكامنة في النص ودرجة قربه أو تحليقه في منطقة "الشعر الصافي" كما يسميه مور أو "الشعر الخالص" كما يسميه ازرا باوند حيث الدقة والايجاز البليغ والصورة الشعرية التي اثرها باوند حتى على المعنى. أو كذلك عند الرمزيين كان الرهان على "اللغة" وصولا الى الشعر أكبر من الرهان على "المعنى" أو "الفكرة". فحسب كتاب ميلارميه الى ديجا "أن الشعر يصنع من الكلمات لا من الافكار" وفي الكتاب نفسه يتحدث ميلارميه عن إحدى قصائده قائلا: "هذه القصيدة مقلوبة، أعني أن المعنى – أن كان لها معنى – إنما يثيره سراب داخلي ينعكس من الكلمات نفسها.." .
كذلك تلميذه بول فاليري كثيرا ما سخر من الذين يريدون فكرة أو افكارا من القصيدة بل انه رأى ان "مهمة الشعر ان يسترد من الموسيقى ما سلبته منه.."
لكن هذه الاراء كلها تطرق لها النقد العربي القديم بشكل مباشر أو غير مباشر، فمن نقادنا القدامى الجاحظ وقدامة بن جعفر والأمدي، فالجاحظ الذي قال عن الشعر انه "صناعة وضرب من النسج وجنس من التصوير.." لم يعر للمعاني اهمية بل انها "مطروحة في الطريق" انما الشان ومقياس الشعرية يكمن في "اقامة الوزن وتخير الالفاظ، وسهولة المخرج وكثرة الماء، وفي صحة الطبع وجودة السبك.. " الحيوان- 2/130
اما قدامة الذي يمكن عد كتابه – نقد الشعر – كله تعريفا للشعر الجيد الذي يريده فقد قال: "اما علم جيد الشعر من رديئه فان الناس يخبطون في ذلك منذ تفقهوا في العلم، فقليلا ما يصيبون.. ". وقد اراد قدامة من لفظ الشعر ان يكون "سمحا، سهل مخارج الحروف من مواضعها ، عليه رونق الفصاحة مع الخلو من البشاعة.." أما المعنى فان يكون معنى شعريا والا "فانه لو اراد مريد ان يعمل من ذلك شيئا كثيرا على هذه الجهة لامكنه وما تعذر عليه.. ".
كذلك الأمدي الذي فضل البحتري على أبي تمام – وأن تظاهر بالحياد في كتابه ( الموازنة ) – وذلك لانه يرى في شعر البحتري "سهل الكلام وقربه، وصحة السبك، وحلو اللفظ وكثرة الماء والرونق" أما ابو تمام فانه – والكلام للامدي - "صاحب معان غامضة لا تستخرج الا بالغوص والفكرة.." الموازنة 1/5-7.
أما ابن قتيبة والذي كان جاحظيا في رأيه فقد قال عن مقياس الشعر "تدبرت الشعر فوجدته اربعة اضرب.. ضرب منه حسن لفظه وجاد معناه، وضرب منه حسن لفظه وحلا فاذا انت فتشته لم تجد هناك فائدة في المعنى.. وضرب منه جاد معناه وقصرت الفاظه عنه، وضرب منه تاخر معناه وتاخر لفظه" الشعر والشعراء ص 133
أما اذا عدنا الى المسافتين اللتين أشرنا اليهما سابقا فاذا أمكنا تشبيه المسافة الأولى بالنهر التي يكون عبورها بواسطة قارب الشروط الاساسية للشعر فيمكننا تشبيه المرحلة الثانية بالجبل، وأن مدى صعوده وارتقائه هو مقياس الإبداع والتأثير ضمن منطقة الشعر نفسها، بل أن كمية الشعر في القصيدة تعرف من مدى هذا الارتقاء. فليس كل من عبر النهر بالمواصفات العامة للشعر قادرا أن يتسلق الجبل الذي يمثل الطاقة الشعرية الكامنة والمؤثرة في القصيدة.
وأن صعود الجبل الشعري يجب أن يكون بحبال الفن الشعري الخالص والا فإن السقوط من جبل ليس أقل ايلاما من الغرق في نهر..!!

ارسال التعليق