لماذا الهايكو لا يعني شيئًا غير ما يقول؟ دعوة لإعادة النظر في جوهر البساطة |
علي محمد القيسي
علي محمد القيسي شاعر وناقد | عراقي
غالبًا ما يُطرح السؤال: "لماذا الهايكو لا يعني شيئًا غير ما يقول؟" وهذا التساؤل الجوهري يستدعي الغوص في فلسفة هذا الشكل الشعري الياباني الفريد. ففي عالم الأدب المفعم بالمعاني المتنوعة والتأويلات المتعددة، يبرز الهايكو كواحة من البساطة المدهشة والتعبير المباشر. هذه القصيدة الومضة، التي لا تتجاوز في بنيتها التقليدية سبعة عشر مقطعًا صوتيًا موزعة على ثلاثة أسطر، تحمل في طياتها رؤية شعرية تتحدى النزعة الإنسانية، وربما الغربية على وجه الخصوص، للبحث عن معانٍ خفية ورمزية معقدة خلف كل كلمة. إنها دعوة صريحة لتأمل اللحظة في تجليها المباشر، بعيدًا عن الإسقاطات والتفسيرات التي قد تثقل كاهل النص بما لا يحتمل.
يسعى هذا المقال إلى استكشاف جوهر الهايكو، ليس من خلال البحث عن طبقات متراكمة من المعاني الباطنية، بل عبر التأكيد على فكرة قد تبدو للوهلة الأولى صادمة أو تبسيطية إلى حد الخلل: ألا وهي أن الهايكو، في أنقى صوره وأكثرها وفاءً لأصوله، لا يهدف إلى إيصال معنى يتجاوز ما تعبر عنه كلماته الصريحة والمباشرة. سنحاول تبيان كيف أن قوة هذا الشعر وجماله يكمنان تحديدًا في هذه الحرفية الظاهرة، في قدرته الفائقة على التقاط صورة حسية عابرة، أو إحساس آني، أو مشهد طبيعي آسر، وتقديمه للمتلقي بكثافة ووضوح يجعلان أي محاولة لتجاوز الظاهر إلى الباطن بمثابة خروج عن روح هذا الفن الأصيل.
ولفهم هذا الجوهر، من الضروري أن نتطرق إلى السياق التاريخي الذي أسهم في تشكيل الهايكو الحديث، وأن نتفحص عن كثب رؤية الشاعر الذي يُعتبر أحد أبرز مجدديه: ماساؤكا شيكي.
عصر ميجي ونهضة الهايكو على يد ماساؤكا شيكي
شهدت اليابان تحولات جذرية خلال عصر ميجي (1868-1912)، الذي تميز بالانفتاح على الغرب والتحديث الشامل. فمع اعتلاء الإمبراطور ميجي العرش عام 1868، انتهى حكم القادة العسكريين، وانتقلت العاصمة من كيوتو إلى طوكيو، لتنطلق البلاد في مسيرة حثيثة نحو التطور والتحديث. وقد انعكس هذا التحول على الأدب الياباني، حيث ظهر جيل جديد من الكتاب والشعراء الذين تلقوا تعليمهم في الجامعات الحديثة، وتأثروا بالآداب الأوروبية.
وفي قلب هذا الحراك الأدبي، برز ماساؤكا شيكي (1867-1902) كشخصية محورية في تجديد الهايكو. ورغم أن حياته القصيرة انتهت بمرض السل، إلا أنه ترك إرثًا أدبيًا ضخمًا يضم أكثر من 20,000 نصًا شعريًا، وغير اسمه إلى "شيكي" (الوقواق الصغير) تيمناً بأحد الطيور التي يقال إنها تسعل دماً، وذلك تعبيراً عن معاناته مع المرض. وقد أتاحت له إجادته اللغة الإنجليزية الانفتاح على الأدب الغربي وتصدير الهايكو إلى العالمية من خلال مجلته المؤثرة "عالم الهايكو".
كرس شيكي جهوده النقدية لتنقية الهايكو والتانكا من الشوائب التي علقت بهما عبر العصور، مؤكدًا على ضرورة تقييمهما وفقًا للمعايير الأدبية ذاتها المطبقة على الأشكال الشعرية الأخرى. وقد انتقد بشكل خاص أسلوب الشاعر الكبير ماتسو باشو، الذي رأى أنه يميل إلى إثقال الهايكو بالمعاني الفلسفية والإشارات الماورائية والميثولوجية. وبدلاً من ذلك، دعا شيكي إلى تبني تقنية "الشاسيه" التي تقوم على تسجيل المشهد الواقعي المجرد بأكبر قدر ممكن من الدقة والموضوعية، تاركًا للمتلقي حرية التفاعل مع النص وتأويله. وقد أكد شيكي على أن قصيدة الهايكو يجب أن تكون بمثابة "لوحة مرسومة بالكلمات"، كما يتضح في أمثلة من شعره:
قَـطــْعُ الـشجرة /
يَبزغُ الفجرُ أبْـكَـرَ
عـلى شُبّـاكي الصغـيـر
*
تَـشّـابَـكُ
مع زَهـرِ الـكـرز الـمـتسـاقط /
أجـنـحـة ُ الـطـيـور
*
أُرجـوانٌ
إلى اسـوداد /
الـعـنـبُ
*
أزاهـيـرُ قـرمـزية
تَـتَـنـاثـرُ عـلـى فـراش الـعـزلـة /
نَـفَـثـاتُ الـمـسـلـول
(ترجمة: جمال مصطفى)
وهكذا، اتجه شيكي نحو التعبير عن الجمال المجرد والخالص للطبيعة، مبتعدًا عن العمق الفلسفي والإشارات المرجعية المعقدة التي ميزت أسلوب باشو. وقد تأثر في ذلك جزئيًا بالنزعة الواقعية في الأدب الغربي، التي اطلع عليها من خلال إتقانه للغة الإنجليزية، فضلاً عن تأثره بتقاليد التأمل الخالصة التي تعود إلى جده لأمه، العالم الكونفوشيوسي أوهارا كانزان.
يوسا بوسون: التجريد البصري في خدمة الهايكو
في هذا السياق، تبرز أعمال يوسا بوسون (1716-1784) كنموذج ملهم لشيكي في سعيه لتحديث الهايكو. فمفهوم "التجريد"، الذي يعني في جوهره تخليص الشيء من تفاصيله العرضية والتركيز على عناصره الأساسية، يجد تجسيدًا واضحًا في فن بوسون. ففي الفن التشكيلي، يعني التجريد إزالة أو تبسيط العناصر المرئية المستمدة من الواقع، أو حتى ابتكار أشكال لا تحيل إلى أي مرجع خارجي، وذلك بهدف الوصول إلى لغة بصرية عالمية تتجاوز الحواجز اللغوية والثقافية.
وقد وجد شيكي في أعمال بوسون، ولا سيما في رسوماته المعروفة باسم "بونجين-غا" (رسومات الأدباء أو المثقفين) التي غالبًا ما كان يقرنها بنصوص شعرية مستوحاة منها، تجسيدًا لرؤيته الخاصة للهايكو. فقد تميز بوسون بحساسية فذة تجاه الطبيعة، وبقدرة على التقاط جمالياتها الخفية في لوحاته الحبرية ذات التعبيرات الحرة والمتحررة.
ويمكن تلمس هذا التجريد البصري في نماذج من أشعار بوسون:
تَعبرُ البحرَ
في غِلالةٍ من سَديم
الشمسُ الآفلة
*
واقفةً
على جَرسِ المعبد
تغفو الفراشةُ
*
نسيمُ المساء –
الماءُ يصفعُ ساقَيْ مالكٍ
الحزينِ
(ترجمة: نزار سرطاوي)
لقد رأى شيكي في وضوح نصوص بوسون وقابليتها للفهم، وفي الصلة الوثيقة بينها وبين عالمه البصري، نموذجًا يحتذى به في تبسيط الهايكو وتخليصه من التعقيدات الفلسفية والغموض الميتافيزيقي، سعيًا إلى إبراز جوهره الشعري الخالص القائم على الملاحظة المباشرة والتعبير المكثف عن المشهد الحسي.
خلاصة
ويمكن القول إن شيكي نجح إلى حد بعيد في مسعاه هذا. فمن خلال تركيزه على تقنية "الشاسيه" وتأكيده على أهمية البساطة والوضوح، أعاد تشكيل الهايكو كشكل أدبي فريد قادر على التقاط جوهر الواقع بلغة شعرية مكثفة ومؤثرة. وقد كان لأسلوبه هذا، المتأثر بالنزعة الواقعية الغربية، أثر بعيد المدى، إذ يُعتبر أحد العوامل التي مهدت لظهور حركة "التصويرية" (Imagism) الأنجلو-أمريكية في أوائل القرن العشرين، والتي دعت إلى استخدام صور حسية واضحة ومباشرة في الشعر.
●بوسون أو يوسا بوسون (باليابانية: 与謝蕪村) عاش (1716-1784 م) هو شاعر ورسام ساهم مع «إيكه نو تائيغا» في تأسيس ما عرف بـ«بونجين-غا»، وهو فن من فنون الرسم انتشر بين أوساط رجال الأدب، استوحيت هذه الفكرة من الصين، ثم أخذت طابعها الياباني المميز بفضل جهود «بوسون» ورفيقه.

ارسال التعليق