معضلة التقييم من الخارج

امجد نجم الزيدي

يثير فوز الروائية العراقية إنعام كجه جي بجائزة سلطان العويس الثقافية جملةً من التساؤلات النقدية التي لا تتعلق فقط بمنجزها الإبداعي، بل تمتد لتطال بنية التلقي بصورة عامة، وسياقات التقييم الأدبي، فما معنى أن تفوز كاتبة عراقية بجائزة عربية أو دولية، وما الدلالات التي يمكن استنباطها من هذا الحدث الذي يُعدّ، في الوعي الجمعي، مناسبة للاحتفاء والاعتزاز؟


امجد نجم الزيدي 

يثير فوز الروائية العراقية إنعام كجه جي بجائزة سلطان العويس الثقافية جملةً من التساؤلات النقدية التي لا تتعلق فقط بمنجزها الإبداعي، بل تمتد لتطال بنية التلقي بصورة عامة، وسياقات التقييم الأدبي، فما معنى أن تفوز كاتبة عراقية بجائزة عربية أو دولية، وما الدلالات التي يمكن استنباطها من هذا الحدث الذي يُعدّ، في الوعي الجمعي، مناسبة للاحتفاء والاعتزاز؟ وهل حقاً يحمل هذا الفوز قيمة موضوعية تتجاوز البُعد الرمزي والترويجي؟ وما الذي يدفعنا إلى الاحتفاء الحماسي بمبدعنا حين يُكرّم خارج حدودنا، بينما نمارس نوعاً من التجاهل، أو على الأقل الفتور، تجاه المبدعين الذين يكرَّمون محلياً في العراق؟
يبدو أن هذا التناقض في آليات التلقي والتقييم يكشف عن أزمة ثقة مزدوجة، أزمة في ثقتنا بالمؤسسات الثقافية العراقية، وأخرى في قدرتنا على منح القيمة الموضوعية لمنجزنا الإبداعي دون وساطة الآخر، فنحن -بوعي أو من دونه- نميل إلى الاعتقاد بأن الجوائز الدولية تحمل معياراً أعلى، وشرعية أكثر رسوخاً، حتى وإن كانت هذه الجوائز نفسها تخضع، في كثير من الأحيان، لمعايير انتقائية، قد لا تكون موضوعية بالكامل، إن هذا الميل إلى تقديس الخارج وتهميش الداخل يعكس نمطاً من التبعية الثقافية، يجعل من الآخر سلطة تقييمية عليا، في حين يُحرم الداخل من أداء هذا الدور، وكأن العراق، بكل ما يمتلكه من تراث، لا يزال عاجزاً عن إنتاج آليات عادلة وفاعلة للتكريم والتقييم.
كما أن هذه الظاهرة تعيد طرح السؤال الجوهري متى نلتفت إلى منجز مبدعينا؟ هل نحتاج إلى تصديق الآخر كي نؤمن بأن فينا من يستحق التقدير؟ ولماذا لا نشكك حين يمنح الآخر الجائزة، بينما نميل فوراً إلى الشك حين تصدر الجائزة عن مؤسسة محلية؟ هذه الأسئلة لا تنطوي فقط على نقد للمنظومة الثقافية، بل تلامس بنية الوعي العراقي ذاته، ذلك الوعي الذي لا يزال يرى في الخارج معياراً للجودة والاعتراف، وفي الداخل فضاءً مشكوكاً في نزاهته ومعاييره.
لا تكمن قيمة الجائزة فقط في الجهة المانحة، بل في قدرتها على إعادة طرح المنجز للنقاش، وتحفيز الحوار النقدي حوله، سواء أكانت الجائزة محلية أم دولية، غير أن الواقع يشير إلى أن الجائزة الدولية تؤدي في الوعي العراقي وظيفة مزدوجة؛ فهي تمنح المبدع نوعاً من (الاعتراف)، كما تُعيد إنتاج صورة المثقف العراقي بوصفه جديراً بالاحتفاء، فقط إذا اعترف به الآخر، ولعل في هذا ما يكشف عن هشاشة البنية المؤسسية الثقافية، وقصورها عن لعب دور الوسيط الفاعل بين الإبداع والجمهور.
لا ينبغي أن يُفهم  الاحتفاء بإنعام كجه جي خارج إطار هذا الإشكال البنيوي في ثقافتنا، فنحن لا نحتفي بها فقط لأنها مبدعة، بل لأن الآخر قال لنا إنها كذلك. 
وهنا تكمن المعضلة.

 

 

مقالات ذات صلة

ارسال التعليق