أين ذهبت ابتسامة الفلامينغو
سعد صبّار السامرائي
سعد صبّار السامرائي
كاتب وباحث | عراقي
اختار عالمُ البيولوجيا التطوُّرية ستيفن جاي غولد عنوانًا لافتًا لكتابه "ابتسامة الفلامينغو: تأملات في التاريخ الطبيعي"، الصادر عام 1985، وهو المجلد الرابع من مجموع مقالاته التي جمع فيها تأملاته العلمية والفكرية. يتناول الكتاب، على طريقته السردية المميّزة، موضوعاتٍ تشكّل جوهر مشروع غولد الفكري، ومن بينها أفرد تأملًا لافتًا في منقار الفلامينغو.
يوجد في العالم اليوم ستة أنواع من طيور الفلامينغو، جميعها تواجه ضغوطًا متزايدة نتيجة الأنشطة البشرية في موائلها الطبيعية من الأراضي الرطبة. ويُعدُّ الحصول على تقديرات دقيقة لأعداد تجمعاتها عالميًا أمرًا بالغ الصعوبة، نظرًا لاتساع نطاق انتشارها الجغرافي، وحركات هجرتها الموسمية، وقدرتها على الطيران لمسافات بعيدة، فضلًا عن تعقيد عمليات الرصد العابرة للحدود، وغياب التنسيق الدولي الكافي في كثير من المناطق.
وتُعَدّ طيور الفلامينغو أكثر الطيور المعروفة اليوم تخصّصًا في التغذية بالترشيح. تشير الأدلة الأحفورية إلى أن أسلافها الأوائل كانوا طيورًا غير متخصّصة في التغذية، تخوض المياه على ضفاف البحيرات العذبة خلال العصر الإيوسيني المبكر–الأوسط، قبل ما يقارب 55.8 إلى 33.9 مليون سنة. ويُحتمل أن الفلامينغو قد تفرّعت تطوريًا عن الغطّاسات، ثم ما لبثت أن تمايزت سريعًا إلى فصيلتين في أواخر العصر نفسه. وبعبارة بسيطة: هذه الطيور خاضت مياه الكوكب، وتكيّفت مع سُمّيته وملوحته، قبل أن يظهر البشر وأشباههم، ويشرعوا في الفساد وسفك الدماء وتدنيس الموائل.
من منّا لا يعرف ذلك الكائن الوردي العجيب؟ كل شيء في الفلامينغو غريب على نحوٍ آسر: منقاره المقلوب، حركاته التي تبدو متألمة، وقفته على ساق واحدة كأنه في حالة تأمّل دائم. يعيش في بحيرات سامة لا تصمد فيها إلا كائنات دقيقة يتغذّى عليها، ويخوض بثبات في مياه ملحية وقاعدية خانقة، ويضع بيضه على مسافة بوصات من أبخرة غازية قاتلة. ريشه أبيض في الأصل، غير أنه يتحوّل إلى الوردي بفعل غذاء غنيّ بالبيتا-كاروتين، وهي المادة الكيميائية نفسها التي تمنح الجزر لونه البرتقالي.
نادرًا ما استدعت الطيور تعاطفًا أدبيًا واسعًا. بيد أن طيور الفلامينغو—بهذه الأناقة الفاقعة التي تجمع بين الهشاشة والغرابة—حظيت بتعاطفٍ خاص لدى شعراء روما القديمة. ففي أحد أبلغ أبياته، وبّخ الشاعر مارتياليس شراهة أباطرة عصره، متخيّلًا سيناريو مقلقًا: ماذا لو مُنح لسان الفلامينغو موهبة الغناء مثل العندليب، بدل أن يكون مجرّد قطعة مستساغة الطعم على موائد النخبة؟ أترجمها بتصرف:
"من جناحي القاني أخذتُ اسمي،
بيد أن المترفين استساغوا لساني.
فماذا لو كان لساني مغرّدًا؟"
لكن سوء حظ هذا الطائر الجميل لم يقف عند حدود المجاز الشعري. ففي العصور الرومانية، كان الفلامينغو يُقدَّم مشويًا على موائد القادرين بوصفه رمزًا للمكانة ووسيلةً فجة للتفاخر بالثروة. ولم يكن الذوّاقة الأثرياء يتناولون سوى "أطيب" أجزائه، مثل الدماغ واللسان. وتذكر بعض الروايات أن الإمبراطور ماركوس أورليوس كان يقدّم هذه الطيور الباهظة قرابين للآلهة.
لدى معظم الطيور ألسنة رفيعة مدبّبة، بالكاد تصلح لذائقة إمبراطور. أما الفلامينغو، فقد طوّر لسانًا كبيرًا، ليّنًا، لحميًّا، صار جوهر آليته الغذائية. تمرّر طيور الفلامينغو الماء عبر مرشّحات مناقيرها بطريقتين: إما بتحريك الرأس ذهابًا وإيابًا، بما يسمح بانسياب الماء سلبيًا عبر المرشّحات، وإما—وهو الأسلوب الأكثر شيوعًا وكفاءة—بواسطة مضخّة نشطة يحافظ عليها لسان قويّ. يملأ هذا اللسان قناةً واسعة في المنقار السفلي، ويتحرّك بسرعة قد تصل إلى أربع مرات في الثانية، فيسحب الماء عند الرجوع إلى الخلف، ويطرده عند الدفع إلى الأمام. كما يتميّز سطحه بوجود نتوءات دقيقة عديدة تكشط الغذاء المتجمّع من المرشّحات، في مثال بالغ الدقة على ما تنبأت به نظرية داروين: أن الشكل يتبع الوظيفة، وأن التكيّف هو استجابة مباشرة لضرورات العيش.
بيد أن هذا الكائن، الذي شكّلته ملايين السنين من التطوُّر ليبلغ هذه الدرجة من الملاءمة، يجد نفسه اليوم أعزل أمام عبث الإنسان.
فعندما تهاجر طيور الفلامينغو خلال أشهر الشتاء إلى أهوار جنوب العراق، لا تجد في انتظارها المناخ المعتدل ووفرة الغذاء وحدهما، بل تصادف أيضًا شباك الصيادين غير الشرعيين، وزبائن مستعدّين لاقتناء هذه الطيور بوصفها عناصر زينة في حدائقهم الخاصة. وقد تكرّر هذا المشهد في السنوات الخمس الأخيرة على نحوٍ مقلق. ولا أدري، حقًا، أيوجد اليوم ذواقة على شاكلة الأباطرة الرومان حوّلوا هذا الطائر إلى "تشريب"، أم أن الأمر كلّه لا يعدو عبثًا بالحياة الفطرية، واستعراضًا لأشكال غريبة في سوق الغَزِل؟
المؤلم أن صحفًا عالمية، مثل الغارديان، كتبت عن هذه الظاهرة، وأرفقت تقاريرها بصورٍ قاسية من محافظات الجنوب العراقي، مثل ميسان والناصرية، حيث تحوّلت تجارة الطيور البرية إلى نشاط مربح تؤجّجه هشاشة الأوضاع الاقتصادية وغياب الرقابة الفعّالة. ففي هذه المناطق، بات الاتجار غير المشروع بالطيور موردًا لبعض الصيادين، ومصدرًا دائمًا لاستنزاف الحياة البرية.
وقد شاهدنا جميعًا على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع مصوّرة لطيور الفلامينغو محبوسة في أقفاص ضيّقة. ويُباع الطائر الواحد بأسعار تتراوح بين عشرين وثلاثين ألف دينار عراقي. يقبل بعض المشترين عليه للزينة، بينما يراه آخرون طعامًا فاخرًا. وتبلغ ذروة هذه التجارة في الفترة الممتدة من نوفمبر إلى فبراير، مع توافد الطيور المهاجرة إلى الأهوار الجنوبية.
ورغم وجود قرارات محلية تمنع صيد الفلامينغو وبيعها في الأسواق، فإن ضعف التشريعات الخاصة بحمايتها، وتداخل الصلاحيات الأمنية في المناطق الحدودية، يجعلان تطبيق القانون أمرًا بالغ الصعوبة. وهكذا يضطر الباعة إلى العمل في الخفاء، بعيدًا عن الأسواق العلنية، معتمدين على شبكات علاقات غير رسمية، ومعرفة دقيقة بمسارات الهجرة ومناطق الصيد. ما تزال التشريعات لحماية الحياة الفطرية في العراق تقف على ساق مكسورة، لا تستطيع أن تتحرك.
في المقابل، ظهرت بعض المبادرات الفردية والمجتمعية للدفاع عن هذه الطيور، يقودها ناشطون بيئيون يدركون القيمة البيئية والرمزية للأهوار بوصفها ملاذًا تاريخيًا للتنوّع الحيوي. وقد أدّت حملات الضغط المدني إلى فرض حظرٍ محلي على بيع الفلامينغو في الأسواق، لكن الصيد ما زال مستمرًا في المناطق النائية، حيث تسود الفوضى، وتتقاطع تجارة الطيور مع أنشطة تهريب أخرى، من بينها المخدرات.
تكشف هذه الصورة القاتمة عن مفارقةٍ موجعة: فطيورُ الفلامينغو، التي حلّت ضيفًا على بلاد الرافدين، وقطعت آلاف الكيلومترات بحثًا عن بيئةٍ آمنة وغذاءٍ وفير، تقع اليوم ضحية تشريعاتٍ ناقصة. فتتحوّل من كائناتٍ مهاجرة حرّة إلى سلعٍ، أو ظلالٍ وردية باهتة في حدائق الأغنياء، أو وجبةٍ زنخة عابرة، فاقدةً أهمَّ ما ميّزها منذ ملايين السنين: قدرتها على التحليق والتنقل بحرية بين البلدان.

ارسال التعليق