صادق الصائغ الشاعر والفنان الذي حمل الوطن ومات غريباً

مجيدة محمدي
كاتبة وباحثة | تونسية

 


الفنان التشكيلي والخطاط العبقري والإعلامي البارز والسينمائي المشاغب والشاعر المعاصر المجدد، الذي انتمى إلى جيلٍ المثقف الشامل الذي مارس أغلب ألوان الفنون، غيّبه الموت، وترك إرثاً ثقافياً ثرياً ومتنوعاً، لكني سأحدثكم عن الزاوية التي أعرفها جيدًا عنه، زاوية الشعر، فهو صوت شعريٍّ تشكّل في ظلّ التحوّلات العاصفة التي عرفها العراق سياسياً واجتماعياً، فخرجت قصيدته محمّلةً بقلق المرحلة، ومشبعةً بروح التمرّد والأسئلة الوجودية، صحيح أنه لا يُعدّ من الأسماء الجماهيرية الصاخبة، بل من الأصوات التي تكتب في منطقة أكثر هدوءاً… لكنها كتابات عميقة عمق جروح هذه الأمة المنكوبة، فقصيدته ليست زخرفة لغوية، بل محاولة لالتقاط ما يتسرّب من المعنى بين الأشياء. يكتب وكأنه يخاف أن يفلت الزمن من بين أصابعه، لذلك تأتي نصوصه مشدودة إلى لحظة إنسانية مكثّفة.
فأبرز مميزاته الشعرية والفنية اقتصاده اللغوي وتكثيفه المعنى، لا يكتب كثيراً ليقول قليلًا، بل يقول الكثير بأقل عدد ممكن من الكلمات. الجملة عنده مثل حجرٍ صغير يرميه، لكنه إذا سقط في الماء أحدث دوائر ارتدادية لا تنتهي...
تشدك نصوصه التي تراها أقرب إلى التأملات الفلسفية منها إلى البوح المباشر، والتي فيها يطرح أسئلة عن الوجود، العزلة، الفقد، والهوية، دون أن يقدّم إجابات جاهزة، باشتغاله على الصورة البسيطة العميقة، معتمداً على صور يومية مألوفة، لكنه يعيد شحنها بدلالات غير متوقعة. فقد يحوّل تفصيلاً عابراً (نافذة، ظل، كرسي مهمل) معه إلى مركزٍ دلاليٍّ للنص. شاحناً قصيدته بحزنٌ عميق، لا تجد فيها الانفعال الحاد، بل انكساراً داخليًا يُكتب بهدوء، كأنه يهمس بدل أن يصرخ. وهو بهذه الصياغة ينفتح أسلوبياً على فضاء قصيدة النثر العربية الحديثة، حيث تتحرّر اللغة من القيود الوزنية، لكن دون أن تفقد معه موسيقاها الداخلية.
وكان الحسّ الوجودي في نصوصه عالياً، حيث تطرح أسئلة العبث والمعنى، بقوة، من حيث الروح لا التقليد، من أجواء شعراء مثل أنسي الحاج أو سركون بولص، حيث اللغة ليست أداة وصف بل وسيلة حفر في المجهول والقيمة، وهذا ما يجعل صادق الصائغ يكتب كمن يمسك بإبرة ينبش بها معاني مخفية، لا ينتظر إجابة، بل يبحث عن أثر، ترك ندبة ما على شغاف القلب، لذلك تراه لا يقدّم الحقيقة، بل يلمّح إليها، ثم يترك القارئ وحيداً أمامها.
ولا يقل اشتغاله بالفن التشكيلي، وبالخط العربي خاصة، قيمة، عن اشتغاله بالكلمة، إذ حمّل لوحاته أعمالاً سريالية عميقة جداً، منتقداً بها الأوضاع السياسية والاجتماعية في العراق، باثاً فيها إحساسه بالغربة المزدوجة، غربة شعورية وغربة مكانية...
صادق الصائغ الشاعر والفنان والإعلامي والسينمائي، المخضرم الذي حمل الوطن ومات غريباً... و داعاً...

 

 

مقالات ذات صلة

ارسال التعليق