أرصفة غريبة ووجوه مستعارة

 

 

حسناوي سيلمي/كاتب جزائري

 

في هذه اللحظة بالذات، وأنا أسير وسط زحام الشوارع المألوفة وأصوات المارة، تتشظى شجوني في مرايا غربتي. أنظر إلى الوجوه التي تحيط بي في المقاهي الباردة، فأرى المشاعر العابرة كلها أدلة واهية على انتماء لم يعد يربطني بهؤلاء البشر. أنا المأخوذ بمتاهاتي النفسية في هذه المدينة الرمادية، أرى حتى الأمكنة التي شهدت ضحكاتي القديمة قد صارت غريبة عني، وكأن الظنون التي تموج في عتمات روحي هي طيوف شاردة ضلت مدارها بين الجدران الميتة.

ومع ذلك، وسط هذا الضجيج الاجتماعي، يلمس بصيرتي إلهام عذب يهمس لي بحتمية العبور؛ فتغدو تلك الذكريات المنقوشة في علاقاتي العابرة ملاذي الأخير ضد النسيان، حتى وإن غفل الأصدقاء والرفاق عن قراءة لوعتي وهم يطوون صفحة حضوري في حياتهم.

ومن رحم هذا الشعور بالاغتراب وسط الناس، يمتلئ كياني فجأة برغبة جارفة في الانعتاق من قيود العلاقات المرهقة ومجاملاتها الزائفة. لم يعد لي في فلك الوجدان هنا مأوى ولا كنف، كأنني قصيدة مغزولة من الخيال، أو مرتحل لم يعد يأبه بعتاب اللائمين. لقد ذبت في عمق هذه السكينة حتى تلاشت صورة "الأنا" التي كنت أصنعها لأرضي الآخرين، ولم يبق مني سوى صلاة خافتة في محراب الحقيقة. فمن أنا حين يصير كل شخص حولي ناطقاً باسمي ومطالباً بحضوري، بينما تقف جراحي النفسية معهم كأسوار تنفي حدودي؟

هذا التلاشي عن المشهد الاجتماعي قادني أخيراً إلى كشف الحكمة الكبرى: إن النفس رؤيا صافية لا تبصرها أعين الحاسدين أو الطامعين، بل يشع جوهرها حين تنطفئ شهوة الظهور وملاحقة الأضواء. لقد كنت أظن أن الحياة صرخة لإثبات الوجود وتثبيت المواقع في قلوب البشر، فإذا بها أغنية صامتة تتمزق فيها أوهام البقاء.

أنا الآن كالضياء الذي أضاع مصدره، كالمسافر الذي يجلس وسط المجموعة لكنه لا يجد ركيزة لخطوته معهم. أملك الوعي، الذاكرة، الهوية، والخاطر المرتعش في ممرات الحياة اليومية.. لكنني، في آخر مطاف هذا العمق الوجداني، تبخرت تماماً في مداي.. وما عدت أعثر عليّ في وجوههم.

مقالات ذات صلة

ارسال التعليق