السيادة العراقية وحب الوطن

 


د. فاضل علي/باحث وكاتب عراقي

 

مدخل

في الوعي العراقي، السيادة ليست مصطلحاً قانونياً جامداً، بل هي التعبير السياسي عن حب الوطن. فمن أحبّ أرضه حرص على قرارها، ومن اعتزّ بتاريخه لم يقبل أن يُصادَر حاضره. وحين تنص المادة الأولى من الدستور العراقي على أن العراق دولة اتحادية واحدة مستقلة ذات سيادة كاملة، فهي تقنّن شعوراً راسخاً في وجدان العراقيين قبل أن تكون نصاً في وثيقة. ومن هنا تأتي أهمية الحديث عن السيادة والوطنية معاً، فالسيادة بلا حب للوطن قشرة بلا جوهر، وحب الوطن بلا سيادة شعور معلّق لا يجد ما يحميه.

السيادة وحب الوطن: علاقة تلازم

يميل بعض الخطاب السياسي إلى فصل المفهومين، فيجعل السيادة شأناً للدولة ومؤسساتها، ويترك حب الوطن للأناشيد والمناسبات. لكن التجربة العراقية تُثبت أن الأمرين متلازمان. فالدولة لا تحمي سيادتها بالقوانين وحدها، بل بمواطنين يرون في بلدهم بيتاً مشتركاً يستحق الدفاع عنه وبنائه. وحين يشعر المواطن أن الوطن يحفظ كرامته ويصون حقوقه، يصبح أشدّ حرصاً على قراره المستقل، وحين يضعف هذا الشعور تصبح الأرض مكشوفة أمام كل طامع.

جذور الانتماء

العراق أرض الحضارات الأولى. من هنا خرجت الكتابة المسمارية والملاحم الكبرى كملحمة كلكامش، وصدرت أقدم القوانين المدوّنة من أور وبابل، وعلى ضفاف دجلة والفرات نشأت بغداد ودار الحكمة والمدرسة المستنصرية. هذا الامتداد التاريخي الذي يبلغ آلاف السنين منح العراقيين إحساساً عميقاً بأن بلادهم أكبر من أي نظام وأبقى من أي أزمة، وأن الحضارة التي بُنيت هنا مسؤولية تُورَّث ولا تُهدَر.

الوطن في الأدب والوجدان

تغنّى الشعراء العراقيون بالوطن في كل العصور. فمن الرصافي والجواهري والسيّاب ونازك الملائكة وبلند الحيدري بالعربية، إلى شيركو بيكه س وغيره من شعراء الكرد، وإلى الشاعر فضولي البغدادي الذي ترك أثراً كبيراً في الأدب التركماني والتركي، تعددت اللغات وبقي الحنين إلى الأرض واحداً. وهذا التنوع الأدبي شاهد على أن الهوية العراقية لا تقوم على لغة واحدة أو مذهب واحد، بل على عمق مشترك من الانتماء إلى دجلة والفرات والنخيل والجبال والأهوار.

دروس التاريخ

أثبتت المحطات المفصلية أن الوحدة الوطنية هي حصن السيادة الأول. ففي ثورة العشرين عام 1920، التقى أبناء العشائر والمدن، من الفرات الأوسط إلى الجنوب والشمال، على رفض الوصاية الأجنبية، فكانت ثورة أسهمت في تشكيل الدولة العراقية الحديثة. وبعد عام 2014، حين اجتاح تنظيم داعش مدناً عراقية، هبّ العراقيون من مختلف المكونات، من جيش وشرطة وبيشمركة ومتطوعين وأبناء عشائر، للدفاع عن بلدهم، وأُعلن بعد ثلاث سنوات تحرير المدن من سيطرة التنظيم. وقد أكدت تلك التجربة أن الانتماء الوطني أقوى من محاولات التقسيم والفتنة، وأن العراقيين حين يتحدون يصعب كسرهم.

عراق التنوع: قوة لا ضعف

يجمع العراق العرب والكرد والتركمان والسريان والآشوريين والمندائيين والإيزيديين وغيرهم، ويضم مسلمين ومسيحيين وأتباع ديانات وطوائف عدة. وهذا التنوع، إذا أُحسن إدارته على أساس المواطنة والعدالة والمساواة، يصبح رصيداً استراتيجياً للدولة. أما إذا استُثمر في الاستقطاب والتحريض، فيتحول إلى ثغرة تنفذ منها التدخلات. ولذلك فإن حماية السيادة تبدأ من احترام كل مكوّن عراقي وضمان حقوقه الثقافية واللغوية والدينية، بحيث يشعر كل عراقي أن الوطن وطنه بالفعل لا بالاسم فقط.

السيادة في معناها الشامل

السيادة الحقيقية أوسع من حماية الحدود، فهي تشمل:

- القرار السياسي:
-  أن تصدر السياسات الداخلية والخارجية عن إرادة عراقية مستقلة تراعي مصلحة العراقيين أولاً.
- السيادة الاقتصادية: حماية الثروات الوطنية وإدارتها بشفافية بما يخدم الأجيال، وتنويع الاقتصاد بدل الارتهان لمورد واحد.
-السيادة الأمنية:
أن يكون السلاح بيد الدولة ومؤسساتها الشرعية وحدها، وأن يكون للدولة وحدها قرار الحرب والسلم.
- السيادة المائية والبيئية:
- صون حصة العراق العادلة من مياه دجلة والفرات، ومواجهة التصحر والتغير المناخي، فالماء اليوم عنوان من عناوين الأمن الوطني.
(السيادة الثقافية والإعلامية)
-  صون الهوية العراقية بتنوعها من الاختراق والتشويه، وبناء خطاب وطني يعبّر عن جميع العراقيين.

(التحديات في طريق السيادة)

لا تتحقق السيادة بالخطابات وحدها، فهي تواجه تحديات حقيقية، منها الفساد الذي يستنزف موارد البلاد ويُضعف ثقة المواطن بدولته، وتعدد مراكز القوة والسلاح خارج إطار المؤسسات، والانقسامات السياسية التي تجعل القرار الوطني رهينة الحسابات الضيقة، وضغوط الإقليم والعالم على بلد يقع في قلب منطقة شديدة الحساسية. ومواجهة هذه التحديات تستلزم إصلاحاً حقيقياً في مؤسسات الدولة، وتطبيقاً عادلاً للقانون على الجميع دون استثناء.

(السيادة لا تعني العزلة)

السيادة لا تعني الانغلاق على العالم، بل أن يدخل العراق علاقاته من موقع الند لا التابع. فحسن الجوار، والعلاقات المتوازنة، والتعاون القائم على المصالح المشتركة واحترام الحدود وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، كلها من صميم السيادة لا نقيضها. والعراق القوي المستقر يخدم أمن المنطقة كلها، وهذه حقيقة ينبغي أن يقتنع بها الجميع.

(الشباب والتعليم)

الأجيال الجديدة هي الرهان الأكبر. فحب الوطن لا يُلقَّن بالشعارات، بل يُبنى في المدرسة والجامعة والأسرة، عبر مناهج تعرّف الطالب بتاريخ بلاده وتنوعها، وتعلّمه التفكير النقدي، وتفتح أمامه فرصاً حقيقية للعمل والإبداع داخل وطنه. وحين يجد الشاب في بلده مستقبلاً يليق بطموحه، تتحول الوطنية عنده من عاطفة إلى مشروع حياة.

(دور الإعلام والنخبة)

للإعلاميين والباحثين والمترجمين مسؤولية خاصة. فالخطاب الإعلامي المهني يبني الثقة بين المواطن ووطنه، ويكشف الحقيقة دون تهويل أو تضليل. والبحث الرصين المستند إلى الوثيقة يحصّن الذاكرة الوطنية من التزييف. والترجمة الأمينة تنقل صورة العراق الحقيقية إلى العالم، وتنقل إليه ثقافات الآخرين دون تبعية. وحين تُدار القنوات والمنابر بلغات العراق المتعددة، من العربية والكردية والتركمانية والسريانية، تصبح التعددية مصدر قوة لا سبب انقسام، ويجد كل عراقي صوته في إعلام بلاده.

(خاتمة)

حب الوطن ليس شعاراً يُرفع في المناسبات، بل التزام يومي: عمل متقن، وكلمة صادقة، وحرص على المال العام، ورفض لخطاب الكراهية، وتمسك بوحدة التراب والقرار. وبقدر ما يترجم العراقيون هذا الحب إلى مؤسسات قوية ودولة عادلة، تترسخ سيادة بلادهم، ويبقى العراق كما كان عبر آلاف السنين: عصياً على الانكسار، عزيزاً بأبنائه جميعاً.

مقالات ذات صلة

ارسال التعليق