أفكار وتأملات في معنى الدولة والنظام

رياض الفرطوسي 
كاتب وباحث | عراقي

 


تُنسب إلى لويس الرابع عشر عبارة "أنا الدولة"، ويشك المؤرخون في أنه قالها يوماً. لكنها بقيت حية لأنها تلخص إغراءً قديماً عند كل سلطة: أن ترى نفسها صاحبة البيت لا ضيفاً مؤقتاً فيه. ونحن في العراق لم نحتج إلى من يقولها لنا، فقد عشنا عقوداً تُقال بالفعل لا بالكلام، حتى صار كثيرون منا يستعملون كلمة "الدولة" وهم يقصدون الحكومة تارة والسلطة تارة والوطن تارة أخرى، دون أن ينتبهوا إلى أن الفروق بينها هي ما يقرر مصيرنا.
عرّف ماكس فيبر الدولة في محاضرته الشهيرة "السياسة بوصفها مهنة" بأنها الجماعة التي تحتكر الاستعمال المشروع للقوة في إقليم معين. لاحظ أن التعريف لا يذكر حاكماً ولا حزباً ولا اسماً. فالدولة عنده بنية قائمة بذاتها، والأشخاص يمرون بها ويؤدون أدواراً فيها. أما النظام فهو الطريقة التي تُدار بها هذه البنية في مرحلة معينة، ومن يحكم وبأي قواعد وتوازنات. وقد نبّه المؤرخ الاجتماعي فيليب أبرامز إلى أن الصعوبة في دراسة الدولة تأتي من أنها تظهر لنا بوجهين: جهاز فعلي من الوزارات والمحاكم والأجهزة، وفكرة مرسومة في أذهاننا تمنح هذا الجهاز هيبته. وحين تتلاعب السلطة بالفكرة لتغطي الجهاز، يتعلم الناس أن يروا في نقد الحكومة اعتداءً على الوطن.
وتجربتنا شاهد على هذا التعلم. فحين تتداخل صورة الوطن بصورة من يقوده عقوداً طويلة، تتحول المؤسسة إلى اسم رئيسها، ويُقاس الولاء بالقرب من السلطة، ويفقد المجتمع قدرته على أن يقول إن هذه السياسة خاطئة دون أن يُسأل عن انتمائه. ولسنا وحدنا. في لبنان تحمي المحاصصة البلد من صدام الطوائف لكنها ترهن المرفق العام بتفاهماتها. وفي ليبيا ظهر، حين غاب الرجل الذي دار حوله كل شيء، أن ما كان يبدو دولة ترتيب حول شخص. وفي أكثر من بلد عربي رُفع بصيغ مختلفة منطق يجعل بقاء الحاكم شرطاً لبقاء البلد.
وأمام هذا نجد تجارب أخرى. بقيت بلجيكا أكثر من خمسمئة يوم بين 2010 و2011 دون حكومة كاملة الصلاحيات، وظلت مدارسها ومحاكمها ومستشفياتها تعمل. وفي ألمانيا واليابان بعد 1945 تغير النظام جذرياً بينما استمرت خبرة الجهاز الإداري في العمل بقواعد جديدة. وقد سبق توكفيل إلى هذه الملاحظة في كتابه "النظام القديم والثورة"، حين رأى أن الثورة الفرنسية، على عنفها، ورثت من الملكية جهازها الإداري المركزي واستمرت فيه. فالإدارة تعيش أطول من الأنظمة، وهذا ما يجعل تحصينها من الغنيمة أمراً حاسماً.
ويقودنا هذا إلى سؤال القوة. فالعالم الاجتماعي مايكل مان ميّز بين نوعين: قوة استبدادية تملكها النخبة الحاكمة فتفرض بها إرادتها دون تفاوض، وقوة بنيوية تملكها الدولة حين تنفذ فعلاً في المجتمع عبر الإدارة والخدمات والقانون. وقد تجتمع الأولى مع غياب الثانية، فتكون السلطة قادرة على كل شيء تقريباً والدولة عاجزة عن إنجاز أبسط الحاجات. وفي هذا السياق يفرق فرانسيس فوكوياما بين دولة غير شخصية تقوم على قواعد وكفاءة، ودولة موروثة تُدار كأنها ملك خاص تُوزع وظائفها على الأقارب والأنصار. وتذهب دراسة أسيموغلو وروبنسون "لماذا تفشل الأمم" إلى أن الفارق بين الأمم يرجع في جوهره إلى المؤسسات: إما مؤسسات تفتح المجال للجميع، وإما مؤسسات تستخرج الثروة لصالح فئة ضيقة.
من هنا نفهم ما تعنيه الانتخابات وما لا تعنيه. هي تمنح الفائز تفويضاً بإدارة السلطة مدة محددة لتنفيذ برنامج اختاره الناخبون، وبها تتجدد الشرعية. لكنها لا تمنحه الجيش ولا القضاء ولا الوظيفة العامة. وقد كتب مونتسكيو في "روح القوانين" أن السلطة تحتاج إلى سلطة توقفها عند حدها، وهذه هي الفكرة التي تجعل لبعض المؤسسات مساحة محمية: قضاء لا يُستدعى حين تتغير الموازين، وإدارة مهنية لا تُصفّى عند كل تغيير حكومي، وجيش ينتمي إلى الوطن كله. هذه المساحة لا تضعف السياسة، فهي ما يتيح للخاسر أن يقبل خسارته وهو مطمئن إلى بقاء الدولة له، وللفائز أن يحكم وهو يعلم أن ما بيده أمانة مؤقتة.
وقد يُعترض بأن مجتمعاً متعدد الهويات لا يحتمل دولة فوق التنافس. والحقيقة أن التعدد هو أشد الأسباب إلحاحاً عليها، لأن الضمان الوحيد لكل جماعة هو أن تكون القواعد أعلى من أي طرف، فلا يستطيع الأقوى اليوم أن يعيد كتابتها لمصلحته غداً. وكان ابن خلدون في "المقدمة" قد رأى أن الدول تهرم حين تضيق قاعدة الذين يملكونها، وأن الدولة التي تحتكرها عصبية واحدة تحمل في داخلها بذور سقوطها.
نسأل في العراق كلما اقتربت لحظة سياسية: من سيحكم؟ وهو سؤال مشروع، لكن يسبقه سؤال آخر يعطي الأول معناه: ماذا يبقى من الدولة حين يتغير من يحكم؟ فإذا كان الجواب أن مؤسساتها وقانونها ومواطنتها باقية، صار السؤال الأول أقل حدة وأكثر عقلانية، لأن الخسارة فيه لا تعني ضياع كل شيء. فالنظام يكتب فصلاً، والدولة تحفظ الكتاب كله، وإذا اختلط الفصل بالكتاب صار تغيير الصفحة تهديداً للكتاب.
وحين يستقر هذا الفهم في الوعي العام قبل أن يُكتب في الدساتير، يصبح تغيير الحكومة حدثاً عادياً، ويصبح الخلاف السياسي طبيعياً، ويجد المواطن أن بوسعه أن يعارض دون أن يُتهم وأن ينتمي إلى وطن لا يتوقف بقاؤه على بقاء أحد. العراق لا يحتاج إلى نظام أقوى من الدولة، وإنما إلى دولة أرحب من كل نظام.

مقالات ذات صلة

ارسال التعليق