الرواية العراقية والسينما المصرية: من سرق من من؟!.. اشارات توضيحية

 شوقي كريم 
كاتب | عراقي

 


منذ اللحظة التي خرجت فيها السينما المصرية إلى فضاء عربي واسع، أصبحت أشبه بالمخيال الجمعي البديل الذي يغذّي الوعي واللاوعي، ويقدم نماذج جاهزة للحب، والانتقام، والفقر، والصراع الطبقي، والانحراف الاجتماعي، والبطولة الفردية. الفيلم المصري لم يك مجرد تسلية، بل بنية سردية مكتملة الأركان: حكاية، شخصيات، صراع، ذروة، وحل. كل هذا يقدَّم في ساعتين مكثفتين، مدعومًا بلغة بصرية وحوارات ملتصقة بالذاكرة الشعبية. وعندما نضع الرواية العراقية في ميزان المقارنة، ونسأل: هل الرواية مشغولة بحياة الناس بالعمق الذي وصلت إليه السينما المصرية؟ نكتشف أن المسألة أكثر إيلاماً مما تبدو، إذ لا نتحدث عن تأثير متبادل طبيعي، بل عن تقليد فجّ، و إعادة صياغة سطحية لأحداث جرى عجنها داخل أفلام مصرية، ثم نُقلت كما هي إلى نصوص تُسمى روايات.إن المتتبع لمسار الرواية العراقية منذ الأربعينات حتى نهاية الربع الاول من القرن الحالي يجد أن كثيراً مما كُتب لم يتجاوز كونه محاولة لرواية فيلم مصري على الورق. كاتب يختار مشهدًا من فيلم، يمدّه على عشرات الصفحات، ويُدخل شخصية جديدة دون ضرورة، يظن أنه أتى بجديد. لكن الحقيقة أن البناء السردي ظل أسير “الحكاية الجاهزة” التي قدّمها فيلم مصري سابق. لا حاجة للتنقيب العميق في البنية الاجتماعية العراقية، ولا في خصوصية المكان العراقي، المؤلف يكتفي بنقل صراع بين الفقير والغني كما شاهده في فيلم لهنري بركات أو كمال الشيخ. الحارة البغدادية تتحول إلى نسخة كاريكاتيرية من حارة نجيب محفوظ، والأغنياء في المنصور يشبهون تماماً أثرياء الزمالك أو جاردن سيتي، وكأن المجتمع العراقي لم تك له طبقاته وتاريخه وأزماته الخاصة.المرير في الأمر أن السينما المصرية لم تكتفِ بدور الإلهام، بل غدت المصدر الوحيد لبناء عالم روائي عند كثير من “الروائيين”. فبدلاً من أن تكون الرواية العراقية مختبراً للكشف عن الذات العراقية، وفضاءً لاستعادة الصدمات التاريخية والسياسية والاجتماعية التي عاشها البلد، تحولت إلى نسخة مكتوبة من “الميلودراما” المصرية. والأدهى أن النقد العراقي يتواطأ أحياناً، فيغض الطرف عن هذا التشابه الفاضح، ويمدح الرواية على أساس أنها “واقعية” أو “إنسانية”، بينما حقيقتها أنها استنساخ متواضع لسيناريو سبق تصويره.نحن لا نتحدث عن تأثر طبيعي، فكل الآداب والفنون تتأثر ببعضها، بل نتحدث عن افتقار مخجل للابتكار. عندما يكتب روائي عراقي عن فتاة فقيرة تقع في حب شاب ثري، ثم يحول الأب دون الزواج، ثم ينتهي الأمر بكارثة أو انتحار أو فاجعة، ألا يبدو ذلك مألوفاً بشكل مفرط؟ أليست هذه الحكاية رأيناها عشرات المرات في أفلام فاتن حمامة وشادية وماجدة؟ وحين يكرر آخر مأساة الابن الضائع الذي يعود ليجد أمه مريضة وحبيبته متزوجة، ألا يكون هذا نسخة عراقية باهتة من أفلام عبد الحليم حافظ؟!
الفضيحة الكبرى أن بعض هذه “الروايات” حصلت على احتفاء رسمي وأكاديمي، بل دخلت إلى المناهج أو وُصفت بأنها تؤسس للواقعية العراقية. والحقيقة أنها لم تؤسس إلا لعادة الكسول: أن يرى فيلماً ويحوّله إلى نص. ولو تأملنا في التجارب الأصيلة في الرواية العراقية، القليلة والنادرة، لوجدنا أنها ظهرت حين كسر الكاتب هذا القيد وتوجه إلى الواقع العراقي بعيون عراقية. عندها خرج نص مختلف، يلتقط تفاصيل لا تراها السينما المصرية، يشتبك مع جغرافيا بغداد والموصل والبصرة والناصرية لا باعتبارها حارات مصرية منقولة، بل باعتبارها مدن لها أنفاسها ولغتها الخاصة، وشخوصها الممزقون بين الاستبداد والحروب والفقر والاغتراب.لكن الغالبية لم تفعل ذلك. بل اكتفت بأن تكون مرآة باهتة لسينما القاهرة. ربما كان السبب أن السينما المصرية سبقت الرواية العراقية في تشكيل المخيلة الجمعية، وربما لأن المتلقي العراقي مفتوناً بالفيلم أكثر من فتونه بالرواية، صار الروائي يكتب ما يتوقع أن “يُقرأ” على طريقة ما شوهد. وربما أ لأن بعض الروائيين لم يكونوا في العمق كتّاباً بقدر ما كانوا متفرجين متحمسين، أرادوا أن ينقلوا شغفهم السينمائي إلى الورق. لكن النتيجة النهائية واحدة: ضياع فرصة تكوين سرد عراقي صرف، وانغماس في تقليد عاطفي لم يثمر غير نصوص تفتقد الروح المحلية.من سرق من من؟ السؤال يبدو استفزازياً في البداية، لكن جوابه أكثر وضوحاً مما نتصور: الرواية العراقية، في مراحل طويلة، سرقت من السينما المصرية، ولم تترك أثراً كبيراً في المقابل. السينما المصرية واصلت مسارها، طورت أدواتها، صنعت تياراتها الجديدة، بينما الرواية العراقية بقيت أسيرة الاقتباس والتكرار إلا في بعض الاستثناءات النادرة التي تُثبت القاعدة أكثر مما تكسرها. إن هذا الاعتراف ليس إدانة مطلقة، بل محاولة لوضع الإصبع على الجرح: كيف يمكن لأدب أمة أن يتنكر لتجربته الفريدة، ويستعير أحداث الآخرين، ثم يدّعي أنه يكتب رواية عراقية؟.
الرواية ليست تجميعاً لأحداث جاهزة، ليست ورقاً ينسخ صورة الشاشة، وإنما مغامرة في صميم الحياة. وحين يُستبدل هذا الجهد بالسرقة من السينما، يتحول النص إلى وثيقة هشة، إلى ظل باهت لشيء آخر. وهذا ما حصل في كثير مما يسمى بالرواية العراقية، التي بدت في حقيقتها وكأنها أرشيف محزن لأفلام مصرية قديمة، مكتوبة بحبر متثاقل، دون ابتكار، ودونما هوية، و حياة.حين نقول إن الرواية العراقية سرقت من السينما المصرية، لا نقصد الكلام جزافاً، بل نعود إلى شواهد ملموسة. مثلاً، لو نقرأ روايات مثل “النخلة والجيران” لغائب طعمة فرمان (1966)، نجد أن روحها العامة، على الرغم من جدة اللغة والبنية، ليست بعيدة عن الميلودراما التي قدمتها السينما المصرية في أفلام صلاح أبو سيف أو هنري بركات. هناك بيت بغدادي فقير، أم تحاول أن تسيطر على مصير أولادها، صراع بين شرف العائلة وضغط الفقر، وهي عناصر نجدها تكاد تتطابق مع خطوط أفلام مثل “الفتوة” (1957) أو “شباب امرأة” (1956). صحيح أن فرمان حاول أن يغرس حكاياته في البيئة العراقية، لكنه ظل أسيراً لآليات درامية مأخوذة بالكامل من الشاشة المصرية.أما في الروايات التي جاءت لاحقاً، خصوصاً عند كتّاب السبعينات والثمانينات، فقد بدا التقليد أكثر وضوحاً. خذ على سبيل المثال بعض النصوص التي حاولت أن تحاكي أفلام عبد الحليم حافظ الغنائية، حيث يظهر الشاب الفقير الذي يحلم بالصعود، يقع في حب فتاة ثرية، ثم تنتهي الحكاية إلى مأساة أو خيبة أمل. هذه الثيمة التي تتكرر في روايات عراقية عديدة – وإن بأسماء محلية – ليست في حقيقتها سوى نسخة باهتة من أفلام مثل “الوسادة الخالية” (1957) و“أيامنا الحلوة” (1955). الفرق أن الفيلم كان يملك أدوات الغناء والموسيقى والأداء السينمائي ليغطي على ضعف الحكاية، بينما الرواية العراقية بدت مكشوفة، عارية من أي ابتكار.ولكي نؤكد الفكرة أكثر، نستشهد بما كتبه الناقد المصري رجاء النقاش في ستينات القرن الماضي حين تحدث عن قوة السينما المصرية في تشكيل الوعي العربي، قائلاً: “الفيلم المصري لم يك مجرد مرآة للمجتمع، بل صار أحياناً بديلاً عن الأدب نفسه، لأنه وصل إلى الجمهور العريض بأسرع وأوضح مما تستطيع الرواية أن تفعل.” هذا الكلام يفسر لماذا وجد الروائي العراقي نفسه – بوعي أو بغير وعي – يعيد إنتاج ما شاهده على الشاشة. فالقارئ العراقي كان يعيش أجواء الأفلام أصلاً، وما على الكاتب سوى أن يكتبها.وإذا أردنا الذهاب أبعد، نستطيع أن نقارن مثلاً بين رواية “خمسة أصوات” لغائب طعمة فرمان (1967) وبين فيلم “بين القصرين” (1964) المأخوذ عن نجيب محفوظ. ثمة تشابه واضح في البنية الجماعية للشخصيات، في الجدل السياسي الممزوج بالهم العائلي، وفي الطريقة التي يُستعمل بها المكان كخلفية أكثر منه بطلاً سردياً. الفرق أن محفوظ كان يكتب من عمق الواقع المصري الذي عاشه، فيما فرمان وبعض من تبعه اكتفوا باستعارة الصياغة دون أن يقدموا الخصوصية العراقية بذات القوة.الأمر لا يتوقف عند فرمان وحده. هناك جيل كامل من الروائيين العراقيين كتب نصوصاً لا تختلف كثيراً عن سيناريوهات الأفلام المصرية. بعض الروايات الريفية، مثلاً، استنسخت صورة الريف كما قدمها يوسف شاهين في “الأرض” (1970)، مع أن الريف العراقي له تضاريس اجتماعية مختلفة تماماً. لكن الكاتب كان أسرع إلى نسخ النموذج المصري من أن يتعب نفسه في البحث عن صراع الفلاح العراقي مع الإقطاع أو الدولة.وحتى في جانب المرأة، فإن معظم الصور الروائية العراقية ظلت تسير على خطى البطلات المصريات: الأم المضحية (شبيهة بدور أمينة رزق)، الفتاة المقهورة (نسخة عن فاتن حمامة أو شادية)، والغانية التائبة (كما في شخصيات هند رستم). هذه النماذج جاهزة في السينما المصرية، فأُعيد تدويرها في الرواية العراقية دون أي تعديل جوهري، وكأن المرأة العراقية لا تختلف عن المصرية في ظروفها وتحدياتها، مع أن الواقع التاريخي والاجتماعي يقول عكس ذلك تماماً.إن استحضار هذه الاستشهادات يكشف أن “السرقة” لم تك مجرد انطباع عابر، إنما كانت ممارسة ممنهجة، وُلدت من عجز الروائيين العراقيين عن إنتاج سرد مستقل في لحظة كان فيها المجتمع يغلي بالتحولات السياسية الكبرى: سقوط الملكية، ثورة 1958، انقلاب 1963، صعود البعث، الحروب اللاحقة. المفارقة أن هذه الأحداث الجسام لم تجد تمثيلها العميق في الرواية إلا في محاولات محدودة (مثل بعض نصوص فؤاد التكرلي أو غائب فرمان في لحظات نادرة)، بينما ظل التيار العام للرواية مشغولاً بتكرار حكايات الحب والفقر كما رآها في السينما المصرية.من هنا نستطيع أن نجيب بجرأة: الرواية العراقية في قسم كبير من مسارها لم تبتكر، بل سرقت. سرقت من السينما المصرية ليس على مستوى الحكاية فقط، بل حتى في بناء الشخصيات، في الحبكة، في الثيمات الكبرى.وبالمقابل، لم تُؤثر الرواية العراقية في السينما المصرية مطلقاً، فلم نرَ فيلماً مصرياً مقتبساً عن رواية عراقية، ولم نجد المخرجين المصريين يتعاملون مع العراق كمصدر إلهام، سوى إشارات عابرة في بعض الأفلام السياسية. هذا وحده كافٍ ليكشف من كان الفاعل ومن كان المنفعل!!

مقالات ذات صلة

ارسال التعليق