سطوة الصدأ الثقافي: حين يتحول التفسير إلى نسق
د. حسين عبيد شرّاد
ناقد وأكاديمي | عراقي
ليست أزمة الفكر في غياب المفاهيم، بل في اللحظة التي تتحول فيها المفاهيم من أدوات للكشف إلى قوالب جاهزة لتفسير العالم. فالمفهوم النقدي يولد عادة من حاجة معرفية تسعى إلى إضاءة جانب من الظاهرة، لكنه قد يفقد وظيفته حين يتجاوز حدوده، فينتقل من أداة للفهم إلى سلطة تحدد مسبقًا ما ينبغي أن نراه وما ينبغي أن نتجاهله.
وهذه إحدى مفارقات التفكير النقدي؛ إذ قد ينجح النقد في تفكيك نسق ثقافي، لكنه لا ينتبه إلى النسق الذي يتشكل داخل أدواته الخاصة. فالناقد لا يقف خارج الثقافة التي يدرسها، ولا يتحرك في فراغ معرفي، بل ينطلق من شبكة من المفاهيم والتصورات التي تؤثر في طريقة قراءته وتأويله. ومن هنا فإن النقد الذي يطمح إلى كشف الأنساق لا بد أن يوجه جزءًا من أدواته إلى ذاته، لأن أخطر الأنساق ليست دائمًا تلك التي نراها أمامنا، بل تلك التي تتحكم في الطريقة التي نرى بها الأشياء.
إن المشكلة ليست في امتلاك مفهوم نقدي، فكل قراءة تحتاج إلى أدوات ومفاهيم، وإنما في تحول هذه المفاهيم إلى مراكز مغلقة لا تسمح للظاهرة بأن تكشف عن تعددها وتعقيدها. فحين يصبح المفهوم قادرًا على تفسير كل شيء، فإنه يخاطر بفقدان قدرته على تفسير أي شيء؛ لأن كثرة الاتساع قد تحوله من وسيلة للبحث إلى إطار جاهز تُحشر داخله الوقائع.
ومن هذا المنطلق يمكن النظر إلى بعض المحاولات التي سعت إلى تفسير مظاهر الأزمة الثقافية من خلال عناصر مركزية محددة، مثل الشفاهية أو البلاغة أو طبيعة الخطاب الموروث. ولا يعني ذلك إنكار حضور هذه العناصر أو أثرها، وإنما وضعها في موقعها المنهجي الصحيح؛ فهي عوامل فاعلة ضمن شبكة أوسع، وليست مفاتيح نهائية مغلقة.
وفي هذا السياق يمكن قراءة مقال الدكتور عبد العظيم السلطاني «سطوة الصدأ الثقافي» بوصفه محاولة للكشف عن بعض مظاهر الجمود في الثقافة العربية، حين يلفت إلى هيمنة البلاغة على حساب الفكر، وغلبة الانفعال على التأمل، واستعادة المألوف بدل إنتاج الأسئلة. وهي قضايا تستحق التأمل، لأن الثقافة لا تخلو من مظاهر التكرار والركود، غير أن السؤال النقدي لا يتوقف عند تشخيص الظاهرة، بل يمتد إلى مساءلة الطريقة التي صيغ بها هذا التشخيص وحدود التفسير الذي يقوم عليه.
فالظواهر الثقافية لا تنشأ من سبب واحد، ولا تتحرك في اتجاه واحد. إنها حصيلة تفاعل طويل بين التاريخ والسلطة والتعليم والمؤسسة الدينية والاقتصاد واللغة والذاكرة الجمعية وأنماط التفكير. وما يبدو عاملًا أساسيًا في مرحلة معينة قد يكون نتيجة لعوامل أخرى في مرحلة مختلفة. لذلك فإن أي تفسير يمنح عنصرًا واحدًا القدرة على تفسير البنية كلها يظل بحاجة إلى مراجعة مستمرة.
الشفاهية بين الحضور الثقافي والاختزال التفسيري
إن الحديث عن الشفاهية بوصفها عنصرًا مؤثرًا في تكوين الثقافة لا يثير إشكالًا في ذاته؛ فالشفاهية ظاهرة إنسانية رافقت المجتمعات قبل الكتابة وبعدها، وأسهمت في حفظ الذاكرة ونقل المعرفة وتشكيل أنماط من التواصل الاجتماعي. غير أن الإشكال يبدأ حين تنتقل الشفاهية من كونها عاملًا من عوامل التكوين الثقافي إلى كونها علة نهائية تفسر معظم مظاهر الثقافة.
فالشفاهية لا يمكن أن تتحمل وحدها مسؤولية ظواهر متعددة مثل حضور البلاغة، أو قوة الشعر، أو طبيعة الخطاب الجماعي، أو ضعف إنتاج السؤال. فهذه الظواهر لم تتشكل بفعل عامل واحد، وإنما نتيجة تداخل شروط تاريخية ومعرفية واجتماعية متعددة. وقد تكون الشفاهية جزءًا من تفسير بعض المظاهر، لكنها لا يمكن أن تكون تفسيرًا مغلقًا لكل المظاهر.
إن الثقافة العربية، مثل غيرها من الثقافات، لم تكن فضاءً شفاهيًا خالصًا، كما أنها لم تكن فضاءً كتابيًا خالصًا؛ بل قامت على تفاعل مستمر بين الذاكرة والتدوين، وبين المنطوق والمكتوب. فالكتاب لم يلغِ الشفاهة، كما أن الشفاهة لم تمنع حضور الكتابة. وهذا التداخل هو الذي صنع ثراء التجربة الثقافية، لا أحد طرفي الثنائية منفردًا.
ومن هنا فإن الخطر المنهجي لا يكمن في دراسة الشفاهية، بل في تحويلها إلى مركز تفسيري تدور حوله بقية العناصر. فحين يصبح العامل الواحد قادرًا على تفسير الشعر والبلاغة والقبيلة والانفعال وغياب السؤال، فإننا نكون أمام انتقال من التحليل إلى الاختزال؛ لأن الظاهرة الثقافية تفقد تعددها وتصبح محكومة بإجابة سابقة عليها.
ولعل المفارقة الأساسية هنا أن القراءة التي تنتقد هيمنة نموذج واحد في الثقافة قد تقع، من حيث لا تقصد، في هيمنة نموذج واحد في التفسير. فالمقال الذي يحذر من التماثل الثقافي قد ينتهي إلى التماثل التفسيري؛ حين تُردّ الظواهر المختلفة إلى أصل واحد، فتغدو الفروق بينها فروقًا شكلية لا اختلافات في البنية والوظيفة.
والتماثل التفسيري لا يقل خطرًا عن التماثل الثقافي؛ لأن الأول يجعل القراءة أسيرة مفهومها، كما يجعل الثاني الثقافة أسيرة نموذجها. وفي الحالتين يتراجع فعل السؤال لمصلحة الإجابة الجاهزة. فبدل أن نبحث عن كيفية تشكل الظاهرة، نكتفي بإرجاعها إلى أصل افترضناه مسبقًا.
وهنا تظهر ضرورة التمييز بين التفسير الذي يضيء الظاهرة والتفسير الذي يستولي عليها. فالأول يفتح مجال البحث ويقبل الإضافة والمراجعة، أما الثاني فيغلق الطريق أمام الاحتمالات الأخرى، ويجعل المفهوم حاكمًا على الواقع بدل أن يكون الواقع مجالًا لاختبار المفهوم.
إن الثقافة لا تعاني من نقص في الأسباب، بل من فائض في التفسيرات التي تريد أن تختصرها. وكل تفسير يفقد وعيه بحدوده يتحول من محاولة للفهم إلى شكل آخر من أشكال الهيمنة؛ لأن الهيمنة لا تكون دائمًا في الأفكار التي تفرض نفسها بالقوة، بل قد تكون في الأفكار التي تبدو مقنعة إلى الحد الذي يمنع مساءلتها.
ومن هنا فإن الدفاع عن تعدد العوامل لا يعني إلغاء دور الشفاهية، وإنما يعني وضعها في سياقها الصحيح؛ فهي جزء من البنية الثقافية وليست البنية كلها، وأحد مفاتيح القراءة وليست المفتاح الوحيد
البلاغة بين إنتاج المعنى وإخفاء الفراغ.
ولا تبدو البلاغة بعيدة عن إشكالية الاختزال؛ إذ كثيرًا ما تتحول في بعض القراءات إلى علامة على غلبة الشكل على المضمون، أو على انتصار التأثير على التفكير. غير أن هذا الفهم يحتاج إلى مراجعة؛ لأن البلاغة في تاريخ الثقافة العربية لم تكن مجرد زخرف لغوي أو وسيلة لتجميل القول، بل كانت مجالًا معرفيًا يبحث في العلاقة بين اللفظ والمعنى، وبين طريقة التعبير وطريقة تشكل الفكر.
فالمشكلة ليست في البلاغة ذاتها، وإنما في النسق الذي يوظفها. فالبلاغة يمكن أن تكون أداة لبناء المعنى وتكثيف التجربة وإنتاج الإقناع، كما يمكن أن تتحول إلى وسيلة لإخفاء الفراغ حين يستخدمها خطاب لا يملك مشروعًا فكريًا. ولذلك فإن إدانة البلاغة بوصفها سببًا في ضعف التفكير تنقل المسؤولية من البنية المنتجة للخطاب إلى الأداة التي يستعملها، وهو انتقال قد يختزل المشكلة بدل أن يفسرها.
وليس كل خطاب بليغ فقيرًا فكريًا، كما أن ليس كل خطاب مباشر عميقًا بالضرورة. فالبساطة لا تمنح الفكر قيمته لمجرد كونها مباشرة، كما أن الجمال اللغوي لا يسلب الفكرة قيمتها لمجرد كونها جميلة. إن العلاقة بين الشكل والمعنى أكثر تعقيدًا من هذه الثنائية؛ فاللغة ليست وعاءً خارجيًا يحمل الفكر فقط، بل هي إحدى طرائق إنتاجه وتشكيله.
ولعل عبد القاهر الجرجاني يقدم نموذجًا واضحًا في هذا السياق؛ إذ لم ينظر إلى البلاغة بوصفها تحسينًا خارجيًا للألفاظ، وإنما بوصفها نظامًا تتولد منه الدلالة. فالنظم عنده ليس ترتيبًا شكليًا، بل علاقة بين المعاني وطرائق التعبير عنها. وهذا يعني أن البلاغة في جانبها العميق ليست نقيضًا للعقل، بل إحدى آليات اشتغاله.
كما أن البلاغة لم تكن حكرًا على المجال الشعري أو الشفاهي، بل حضرت في مجالات التفكير المختلفة؛ في الخطاب الديني، وفي الفلسفة، وفي النقد، وفي الكتابة التاريخية. وكل خطاب يتوجه إلى الآخر يحتاج، بدرجة أو بأخرى، إلى بناء بلاغي؛ لأن الإقناع نفسه فعل لغوي لا يتم خارج نظام من الاختيار والتأثير.
ومن هنا فإن السؤال الأدق ليس: هل البلاغة عائق أمام الفكر؟ وإنما: متى تتحول البلاغة من طاقة لإنتاج المعنى إلى أداة لحجبه؟ فالخلل لا يوجد في الوسيلة، بل في الوظيفة التي يمنحها لها النسق الثقافي.
وهذا يقود إلى نتيجة مهمة؛ وهي أن الصراع ليس بين البلاغة والعقل، ولا بين الشفاهية والكتابة، وإنما بين أنماط من الاستخدام الثقافي لهذه الأدوات. فقد تستخدم الوسيلة نفسها في سياق لإغلاق الوعي، وفي سياق آخر لتوسيعه. ولذلك فإن تحميل الأداة مسؤولية ما ينتجه النسق بها يؤدي إلى قراءة سطحية للظاهرة.
وإذا كان النقد الثقافي قد علّمنا البحث عن الأنساق المضمرة خلف الخطابات، فإنه يدعونا أيضًا إلى الحذر من جعل المفاهيم النقدية نفسها أنساقًا مغلقة. فالأداة التي نستخدمها لكشف الهيمنة ينبغي ألا تتحول إلى سلطة جديدة تمارس الهيمنة باسم الكشف.
حين يصدأ النقد من داخله
إن أخطر ما يمكن أن يواجه المشروع النقدي ليس نقص المفاهيم، بل فائض الثقة بها. فالمفهوم الذي يبدأ بوصفه أداة للمساءلة قد يتحول، إذا فقد مرونته، إلى إطار مغلق يعيد ترتيب الظواهر وفق منطقه الخاص. وعندها لا يعود الواقع هو الذي يختبر المفهوم، بل يصبح المفهوم هو الذي يعيد تشكيل الواقع بما ينسجم معه.
ومن هنا فإن الدعوة إلى السؤال لا تكتمل بمجرد رفع شعار السؤال، بل تتطلب إبقاء الأسئلة مفتوحة على احتمالات متعددة. فالسؤال النقدي الحقيقي لا يبحث عن تأكيد إجابة سابقة، وإنما يظل قادرًا على مراجعة مقدماته ونتائجه. أما حين تنتهي الدعوة إلى السؤال إلى جواب مكتمل لا يقبل المراجعة، فإن السؤال يفقد وظيفته الأصلية، ويتحول من وسيلة للكشف إلى وسيلة لإثبات الفرضية.
وهذه مفارقة أخرى في العمل النقدي؛ إذ قد يسعى الخطاب إلى تحرير العقل من المسلمات، لكنه قد ينتج، من حيث لا يشعر، مسلمات جديدة. فالتحرر من نسق لا يتحقق بالضرورة بإحلال نسق آخر مكانه، لأن تغيير مركز التفسير لا يعني تجاوز منطق المركز نفسه.
إن النسق لا يُهزم بنسق آخر، وإنما بإبقاء المفاهيم في حالة حركة ومراجعة. فالمفهوم الحي هو الذي يعترف بحدوده، ويقبل أن تصححه الظواهر التي يدرسها. أما المفهوم المغلق فإنه يتحول من أداة للمعرفة إلى سلطة عليها.
ولعل الصدأ الحقيقي لا يصيب الثقافة وحدها، بل قد يصيب أدوات نقدها أيضًا. فالجمود لا يكون دائمًا في الأفكار التي نرفضها، بل قد يكون في الأفكار التي نطمئن إليها أكثر من اللازم. وحين تتحول الفرضيات إلى يقينيات، والقراءات إلى أحكام نهائية، يفقد النقد جزءًا من وظيفته التحريرية، لأنه يصبح أسيرًا لما كان يريد تفكيكه.
ومن هنا فإن موقع الناقد يحتاج دائمًا إلى مراجعة؛ لأن القراءة ليست فعلًا محايدًا تمامًا، بل هي لقاء بين النص والمفهوم والقارئ. وكلما ازداد وعي الناقد بحدود موقعه، ازدادت قدرته على الاقتراب من الظاهرة دون أن يختزلها.
وقد عبّر الشاعر عن إشكالية التقويم واختلاف زاوية النظر بقوله:
فمن رام تقويمي فإني مقوَّمُ
ومن رام تعويجي فإني معوَّجُ
ولا ينبغي فهم هذا القول بوصفه رفضًا للنقد أو اعتراضًا على المراجعة، بل بوصفه تنبيهًا إلى أن الأحكام لا تنفصل عن مواقع أصحابها، وأن الإنسان يحتاج إلى أن يرى نفسه كما يراه الآخرون، لا كما يريد أن يراها فقط.
إن قيمة أي مشروع نقدي لا تكمن في أنه يقدم تفسيرًا نهائيًا للثقافة، بل في أنه يفتح إمكانات جديدة للفهم. فالثقافة أوسع من أن تُحاصر في سبب واحد، والإنسان أعقد من أن يُختصر في مفهوم واحد، والتاريخ لا يتحرك بعلة منفردة.
ولذلك فإن مساءلة الشفاهية لا تعني إنكار أثرها، كما أن الدفاع عن البلاغة لا يعني تبرئة كل خطاب يستخدمها؛ فالمشكلة ليست في الوسائط، بل في الأنساق التي تمنحها وظائفها. فاللغة قد تكون مجالًا للتحرر كما قد تكون مجالًا لإعادة إنتاج المألوف، والبلاغة قد تكون بناءً للمعنى كما قد تكون ستارًا يخفي غيابه.
وفي النهاية يبقى السؤال الذي ينبغي أن يرافق كل قراءة نقدية:
هل نقرأ الثقافة بمفاهيمنا، أم نقرأ مفاهيمنا في الثقافة؟
فلعل الفرق بين السؤالين هو الفرق بين نقدٍ يكشف الأنساق، ونقدٍ يصنع نسقًا جديدًا وهو يظن أنه يحرر العقل منه.

ارسال التعليق