العمق لا يعتذر: الكتابة النسوية بين سؤال التلقي والفجوات التي تفضحها
نداء يونس
نداء يونس
شاعرة وباحثة | فلسطينية
تنتشر الدعوة إلى البساطة كأنها فضيلة مطلقة، وتتحول المباشرة والقرب والوضوح بموجب ذلك إلى متطلبات لاستهلاك النصوص، وبشكل أخطر، إلى تأطيرات لقبولها والاعتراف بها. يبدو الأمر كما لو كانت الكتابة مجرد وسيط لتمرير شيء ما، لا حفرًا في طبقات النفس والمعرفة والتاريخ. لكن ماذا عن الكاتبات اللواتي يحفرن في جيولوجيا الذاكرة؟ والنصوص، تلك التي لا تكشف نفسها مباشرة، بل تتطلب قارئًا يشتبك ويعيد النظر في علاقته بالعالم وبأدواته نفسها؟
تعتبر الكتابة العميقة والمركبة، وحتى المعقدة - رغم أن التعقيد لا يعني العمق دائما- تمرين على الحرية، كما أنها شكل من أشكال الحوار الداخلي مع المعرفة واللغة والذاكرة والجسد والمعرفة والوجود ذاته. وفيما يتعلق بمشكلة تلقيها في العالم العربي، تتجاوز المسألة ما يتعلق بجوهرها، إلى ما يرتبط بالفجوات التي تفضحها مثل التكوين المعرفي والذائقة والجهد، والأخطر من ذلك عدم إعداد المتلقين للتفكير، فضلا عن تبني المواقف التي تطرحها هذه الكتابات في العلاقة مع العالم والسلطات، وعدم الاستعداد لمواجهة الأسئلة التي تطرحها كاستحقاق؛ يضاف على ذلك التهميش الذي تتعرض له بسبب كسرها نسق الكتابة والتلقي.
تكتب كثيرات مثل مارغريت آتوود، وكارينا أليراس عبر طبقات كثيفة من المعرفة التي تبني على الأساطير والبيولوجيا، والسياسة، والخيال العلمي ونقد الاستعمار، والذاكرة، واليومي، والهامشي، والصامت. كما يحكين عبر الإدراك والأسئلة والانكسارات. تبدو طرق الحفر الأركيولوجية هذه متجاوزة للصنعة - وجزءً من التجربة والاشتباك مع العالم وسلطاته ومعرفته، ما يحوِّل كتابتهن إلى معارك ضد السرديات القارَّة والخطيَّة، والزمن - كما تفرضه السلطات - حتى لو لم يرفعن ذلك تحت لافتات نسوية بالمعنى الضيق – علمًا بأن هذا النوع من الكتابة يتجاوز الجندرية إلى اشتغال أوسع لا يقتصر على ما تكتبه النساء فقط.
ينطبق هذا على كتابة الشاعر المصري عادل الحراني، والتي تمثل نموذجًا متقدّمًا من الكتابة النسوية المتشابكة معرفيًا، ووجوديًا، وجسديًا، وفنيًا، وبما يقاوم التوقعات واللغة "المهذبة". ينتج هذا ذاتًا مركبة تُعيد تشكيل المفاهيم الكبرى (الجسد، الرجل، المرأة، الظل، الفن، الكون، العلم، المعرفة) في بنية شعرية - تفكيكية، جريئة بشكل لافت وصدامية بشكل استثنائي، تقوم على مسرحةٍ واضحة للذات، تنتقل الكتابة هنا بين تجربة فردية (شهوة، شغف، حب، هوس)، وتجارب جماعية كبرى تتداخل فيها التاريخ والأسطورة (الثورات، الأنبياء، الحروب)، إضافة إلى معرفة غنية بالرموز والتأملات الكونية والفلسفية – حيث نلاحظ تداخل علوم (الفيزياء، الذرة، تعدد الأكوان، النسبية) مع الفنون (الرسم - التكعيبي، الكولاج، والفن التشكيلي - كما مع السينما والسرح). بهذا، تتحول قصيدة الحراني إلى كولاجَ للعالمِ، والحضاراتِ، والأنبياء، والثوراتِ والحروب داخل الجسد ومنه وعبره، ما يجعل النص ذاكرةً جماعية مضمّنة.
في نصوصه، الرجل يبدو خاضعًا لتأملات "المرأة-الساردة"، اللغة تتكسر في تراكيب مفاجئة تصنع عالماً لا يمكن اختزاله في ثنائية جسد/ روح أو رجل/ امرأة، بل تصوغ هوية سيّالة متغيرة، تعيش في مناطق الظل والضوء والتابو والهجين - الذي ينتج بدوره هويات مركبة. هنا، الجسد يصير مختبرا كونيا، مساحة تُجرى فيها التجارب الفيزيائية والرمزية حيث يتداخل الحسي بالماورائي رافضًا اختزال الجسد في المتعة، بل يعيد رسمه كمساحة للوعي والفن والثورة. الزمن هنا غير خطي، يتنقل بين لحظة الجسد، واستحضار ماضٍ وممكن كونيّ متخيل (عصر النهضة، التكعيبية، الميثولوجيا). يفكك هذا النوع من الكتابة النص والسلطة الأبوية ضمنيًا من خلال تجاوز واضح للعلاقة النمطية بين المرأة والرجل، محولًا المرأة إلى مركز، وفاعل وصانع للحركة.
إذا تتحول الكتابة كفعل مقاوم إلى وصفة مشتركة بين من يكتبون في هذا الاتجاه، تُفلت من المباشرة التي لا يثقون بها، ويعرفون أنها لا تكفي، أو تستخدم كقناع يختفي تحته القلق والإقلاق كما في قصيدة شيسوافا شيمبورسكا "في مديح الأحلام" مثلا، والتي تنفتح على أسئلة الوعي والعلاقة مع السلطة والحرية، حيث فقط في الاحلام، يسمح لنا أن نحرر هذا الجسد، وأن نقدم فهمنا للحياة، والحرية، وهذا تعقيد نبيل، لا يصرخ لكنه يسائل. وهنا يكمن التحدي في عالم عربي لا تزال فيه السلطة الثقافية تنحاز إلى الوضوح وتخاف الأناركية (الفوضى)، وبالتالي، تتعامل مع النصوص التي تُكتب من العمق كما لو كانت بيانًا سياسيًا ضدها أو تهمة.
الخروج عبر الحلم - الدخول عبر الهوامش
وفي إطار تناولنا للكتابة العميقة والمركبة، فإننا لا نقصد مناقشة الكتابة من مدخل نسوي مباشر – رغم مشروعيته، بل نسعى إلى الإجابة عن سؤال يتعلق بالأسباب التي تدفع إلى تلقي النص المعرفي المركّب في ثقافتنا كعلامة على الاغتراب أو التعالي؟ ولماذا لا نملك بُنى نقدية تشرح، تفسر، وتُضيء، بل غالبًا ما تُشارك في محاكمة النص نفسه؟.
وبعيدًا عن التشوية الذي يتعرض له مفهوم العمق من بعض الكتاب على المبدأ النيتشوي "أعكر ماء الكلام ليبدو النص أعمق"، وذلك عبر التكلف والسعي إلى الإبهار أو استنساخ المفردات الفلسفية بلا حاجة فعلية، أو بخلط هلامي للأزمنة والسياقات، فإن القارئ يتحمل جزءً من المسؤولية عن الاستقبال السلبي للنصوص المركبة، فهو بالمحصلة نتاج مناهج خطية في التعليم والتفكير والتلقي.
فمن جانب، لم يتم إعداد القارئ العربي للقراءة العمودية والتفكير النقدي، كما أنه لم يتم تدريبه على التعامل مع النص لا كمادة مدرسية، بل كفعل وجودي، وكمساحة للتأمل، والمساءلة، والرفض. ولذلك، حين تصادف ثقافتنا نصًّا مركبًا، كُتب من قلب التجربة والمعرفة كخيار أخلاقي لا جمالي، فإنها غالبًا لا تجد له التسمية المناسبة. فتلصق به صفات مثل: "غامض"، أو "نخبوي"، أو "ثقيل" أو "غير مفهوم". يأتي ذلك لأسبابَ كثيرة تتراوح من الإفقار المعرفي والمادي الذي يمارس عليه بتحالف قوى سلطوية عدة، إلى الفساد والتشتيت والإلهاء عبر ترويج ثقافة التفاهة وخطية المناهج والثقافة والإعلام، إلى هَمِّ اليومي والقمع، إلخ.
بذلك، لا يعود القارئ مستعدًا أو قادرًا على بذل أي جهد لفهمٍ أبعد، سيما وأن اكتساب المعرفة في بيئة عربية يتزامن دائما مع سؤال: ماذا نفعل كمسحوقين بهذه المعرفة وهذا الوعي - تحديدًا في وجه حالات الاستلاب القاسية، والبوليسية الفقهية والسياسية والمعرفية التي تجاهد لفرض التفسير الواحد والأحادي المصدر - بالاتكاء على مرجعية مؤسسية، والصمت على كل ما يُحرج، وبالتالي ممارسة العقاب تهميشًا أو بشكل فيزيائي أو اتهامًا بالجنون.
السرد الخطي نسقًا للهيمنة
تعمل السلطة – سواء كانت أيديولوجية، أو أبوية، أو دينية، أو سياسية – على مأسسة السرد والفهم والتلقي الخطي، محولَةً الزمن إلى شكل أفقي يتقدّم إلى الأمام دون تشويش أو تشظٍ، كما لو أن العالم يمكن اختزاله إلى "بداية ووسط ونهاية". تبدو الخطيَّة في ظاهرها مريحة، لكنها في العمق أداة هيمنة. بالمقابل، تحتاج الكتابة من الهوامش - الاجتماعية والسياسية والعقائدية، إلى زمن عمودي، حيث الزمن لا يتقدّم، بل يلتف، يتعرّج، يتشظّى. في روايتها "إلى المنارة"، مثلًا، تعيد فيرجينيا وولف بناء الزمن ومرور الوقت والغياب والموت لكن بشكل يرتج ويدور ويعود إلى نقطة غير مرئية، وبما يقوِّض منطق الرواية السلطوي والذكوري (غالبًا)، في اعتماده على التقدم دون تشتت، والعُقُّد climax، وطرح الحلول.
بالمقابل، تروي آني آرنو سيرتها بكتابة مسطحة، بلغة شبه وثائقية، وبذاكرة تخضع لعدسة وثائقية، بهدف تقيم سيرة ذاتية موضوعية، وتتواجد داخل الحدث دون استخدام ضمير المتكلم، بل الغائب، كما في حادثة اجهاضها السرية في كتابها "الحدث". هنا ينزاح الذاتي في التجربة إلى ألم عمومي يمثل بنية اجتماعية تكشف قسوة الطبقة، الأخلاق والجندر، ويعمل على تفتيت الزمن من خلال بناء السرد على الانتقالات بين الأرشيف، والصور، والشهادات، والمقاطع البصرية/ اللغوية والحذف. وفي إطار هذه الحركة العمودية، نقف أمام طبقات من الألم، لا مجرد قصة.
بدورها، تكتب الجزائرية آسيا جبار بلغة المستعمر، ليس ضمن بطولة الأشياء أو للاستعراض، بل كاحتجاج، وكإدانة لما تخفيه اللغة الوطنية من وجع النساء. لهذا، لا زمن في اشتغالها يحكم النص، بل يُسيِّره تاريخ خفي متكسر تتداخل فيه اليوميات بالحكايات الشفهية، بالشعر، بكتابة الجسد مثل ملاكم في حلبة، جاعلة من السيرة حكاية قبل آرنو. قامت جبار بالكتابة بصيغة المؤنث، وعن الحب لا الحرب متجاوزة تقاليد الكتابة السائدة في جزائر الخمسينيات، ما أدى إلى إنقطاعات وكسر للخطي في السرد والمعرفة. أما العمانية جوخة الحارئي، فالزمن في روايتها "حرير الغزالة" مهشم على شكل تقاطعات تخييلية تسير في دروب متعرجة بين حيوات ثلاث لثلاث نساء دون أن يتبع منطقًا خطيًا. هناك نسيج لغوي يتداخل ويتقدم داخل نفسه. ينطبق ذلك على "سيدات القمر" التي تناولت فيها ملامح المجتمع الأبوي، "حيث أن كل شيء يتغير قليلا بمجرد أن يتم قوله". كما يقول هيرمان هسه. هكذا تنفتح الذاكرة الخليجية من الداخل، من خلال أصوات النساء، وعبر بُنى لغوية تتحول إلى شظايا.
وفي رائعتها، غرفة تخص المرء وحده، تذهب فرجينيا وولف إلى من خلال ضمير المتكلم إلى استثمار حاجتها الشخصية لتخلق تداخلا بين الذاتي والإنساني عبر اختيارها "المرء" وليس "المرأة" في العنوان، رغم مطالبتها بأن تحصل المرأة على غرفة خاصة ودخل كي يصير لها حضور ذهني (تفكير، كتابة، إنتاج) خارج الرعاية الأبويّة. يكشف الغياب في روايتها عن المرأة غير الممثَّلة، غير المؤرخة، أو المؤرّخة باسم الرجل. يكسر هذا السرد النسق الأبوي والثقافي السائد، ويعمل على انشاء بناء لغوي معرفي متداخل، كما يؤكد على أن الكتابة فعل مقاومة يقوم على استدعاء مباشر للغرفة والمال كرمزين للحرية.
ومن جانبها، تكتب سنية صالح سردية الألم الشخصي جدًا كامرأة تحملت وزر أنوثتها وانتقام الماغوط منها بإذلالها وتهميشها، وعرفت كيف تقشر العالم وتقدمه عارًيا من زاوية لا يراها المركز، متكئة على العطش العميق للذات. لهذا، ظلت نصوصها عربيًا خارج الاحتفاء مقارنة بكتابات أقرانها من الرجال، إذ كان عصيا على السلطة الاعتراف بصوت لا يعيد إنتاجها خطيًا.
تفكيك الزمن في جوهره تفكيك للمركز
بهذه التقنيات التي تعمل على تهشيم أفقية الزمن والمعرفة، تقوم الكتابة النسوية بتكوين عالم مواز، يكسر النسق الزمني السائد والمتوقع، وبما يشكِّل كتابة ضد السيطرة والسلطة، وانزياحًا هائلًا عن الهيمنة على اللغة والسرد والذوات. في نصوص مها عواودة – الشاعرة الفلسطينية الواعدة من الداخل الفلسطيني المحتل- يبدو الزمن متشظيًا ومتداخلًا. الغياب والحضور يتبادلان الأدوار. تفتح هذه التفكيكات ثغرات في سرديات الحضور المهيمنة، انطلاقًا من الجملة المحذوفة التي تشكِّل استعارة مركبة، تبني مساحة رحبة لا للتعددية والوعي المتداخل بين الذات والآخر، والحميمي والكوني فقط، بل وللكشف عن طبقات معرفية تعبّر عن الألم، والحرية، والوجود، والهوية، وبشكل يدمج الحضور الجسدي العاطفي مع التأملات الفلسفية العميقة حول الوجود واللغة، متجاوزةً الخطية الزمنية، نحو التكسير والتهشيم لقيود الوعي، وبما يشكِّل حوارات معقدة تواجه مركزية الخطابات الفكرية والتاريخية.
وبينما يتعلق التلقي العالمي لما تكتبه النساء أحيانا بالفضول والرغبة بالتلصص على حيوات النساء وطبقات الوجع والتجربة في أجسادهن التي تكتب وتحكي بلغة جديدة، أو لمقاربة ما تختزنه الذاكرة الغربية من صور استشراقية مع ما يقلنه، تتحول الكتابة المركبة إلى فضاء للمحاكمة في العالم العربي أحيانًا، وإلى التهميش وغض النظر أحيانا أخرى.
الذين يكتبون بلغة مشبعة بالمرجعيات، أو بتفكيك البُنى السردية، أو تحميل الجملة بكثافة معرفية وشعورية، يُستقبلون هنا أحيانًا كأنهم يُعلنون تمردًا على الذائقة العامة. لا علاقة للأمر بـالغموض والتعقيد، بل بقدرة ما يُكتب على كسر توقعات التلقي وهيمنة الأنساق الكتابية، وطرق إدارة الوعي بالتسطيح والتلقين، وبتصادمه مع سؤال الحاجة إلى تقاليد قراءة معمقة، وحراك ثقافي يطرح الأسئلة، ولا يعيد إنتاج الجاهز والخوف، ما يؤدي إلى تحويل النص المركب والعميق إلى كائن مهمش؛ والقارئ إلى عدو لما لم يتعود عليه أو يتوقعه، أو لما يجهل.
اللغة تهديدًا
وكما تشكل اللغة أداة لتمرير النمط، فإنه يمكن استخدامها أداة للتفجير والاستعادة، وبالتالي تهديدًا للجاهز والسلطوي. ففي كتابها في كتابها "الجنس الآخر"، تَعتَبر بوفوار اللغة أداة سلطة ذكورية بيد الرجل، لكنها أيضاً وسيلة لتقويض هذا الخطاب. وبالتالي، استخدمت اللغة الفلسفية والأكاديمية لتفكيك البناء الثقافي للجندر في الفلسفة الغربية، مُحولة الجسد إلى سؤال وجودي يفضح إنتاج الأنوثة عبر الثقافة.
ومن ناحيتها، شكلت كتابتي فاطمة المرنيسي - التي تستخدم لغة هجينة تجمع بين التحليل السوسيولوجي والخطاب الإسلامي، لتعيد قراءة النصوص المؤسسة من داخلها، ونوال السعداوي - التي تستخدم لغة حادة تميزت بوضوح شديد، وبالدقة، والذهاب نحو تشريح جسد العادات والموروث الاجتماعي والديني العربي الحيّ خارج الحلم، تهديدًا للأنساق السائدة عبر عقود. يجعل هذا الوضوح من التهم المتكررة لموقفيهما المعرفي اللا-خطي من العالم بالتعقيد والنخبوية تهويماتٍ تفتقر إلى الحجاج والمنطق، كما تكشف عن أن الرفض لا يتعلق بمعجم السعداوي أو المرنيسي، بل في أنهما تحكيان من قلب التجربة والمعرفة، وتطرحان الأسئلة دون أن تستخدما مخدِّرَا، بل وتختاران الاصطدام بالجسد العربي الفكري والسلطوي التلقيني المُغيَّب، بما يفكك اللغة، ويصادر احتكار السلطة ذاتها للمحاكمة والتفسير. فمن جانبها، تذهب السعداوي نحو إجراء محاكمات للسائد والنمطي بنفسها وتصدر الأحكام، بينما تذهب المرنيسي في "الحريم السياسي" و*"شهرزاد ترحل إلى الغرب"، إلى مساءلة النصوص التأسيسية (القرآن، الحديث، التراث الفقهي)، كاشفة عن تحريف اللغة لخدمة النظام الأبوي من خلال الجسد الذي يشكل التهديد الأكبر للنسق الأبوي، ومحور الرقابة الدينية والاجتماعية.
تكمن خطورة منهجهما في أنه يجعلهما تدخلان في توازٍ كاملٍ مع الأنساق المبنية والمهيمنة من خلال مصادرة دور هذه السلطات في الحكم والتأويل، بل في أنه يكشف عن شراسة نتائج مأسسة الفهم والتأويل، والجسد والتاريخ والمعرفة والدين ونسق العلاقة مع السلطة، على شكل التلقي، وعن قدرة اللغة على التهديد.
بدورها، شكلت الكتابة النسوية لسكان أمريكا الأصليين وخطاب الأفارقة تهديدًا لغويًا معرفيًا للنظام الاستعماري وللسلطة البيضاء-الذكورية. فمن جانبها، تُحول جوي هارجو، وتنحدر من أمة المسكوجي (كريك)، الكتابة إلى وسيلة لاستعادة الأجداد، الأرواح والطقوس، الأسطورة، التقاليد الشفهية، الجسد، الدم، اللغة، الأرض داخل شبكة حيَّة للتذكر، في مواجهة سرد كولونيالي إقصائي متمركز، وتكسر خطية الزمن من خلال رؤية زمن الأسلاف يختلط بزمن المدينة الحديثة. يشكل هذا مواجهة للإبادة الثقافية عبر اعتراض سرد الاستعمار الأبيض من خلال "فعل تأملي" للجذور والهوية والتراث.
بدورها، تُحول أودري لورد السرد إلى تداخل للموت، الجسد الأسود، الأنوثة، الحب، والهوية الجنسانية في لحظة بلاغية تكشف عن معاناة وجدانية عميقة ومقاومة مستمرة، ما يجعل الشعر أداه لمقاومة الصمت القسري. ترفض لورد نمطية المرأة السوداء، وتكتب عن الغضب، الجسد، العشق، والتحوّل الجندري كجزء من المقاومة الذاتية. وفي اتجاه آخر، تشكل جلوريا أنزالدوا من خلال لغة هجينة تمزج الإنجليزية والاسبانية واللهجات العامية، عدوانًا لغويا وتعطيلًا للخطية والثوابت اللغوية التي تفرضها الثقافة البيضاء الإنجليزية السائدة، وبما يشكل تهديدًا لها.
وليس بعيدا عن لغة المركز الاستعماري، تكتب باولا غِن ألين - أصلانية أمريكية من أصول مختلطة، في روايتها المرأة التي تملك الظلال (1983) وفي شعرها "الحياة مرض قاتل" و"مدفع بين ركبتي"، السِيَر الشفهية للأصلانيات، بهدف استعادة الأنثوية في التقاليد الهندية الأمريكية والمسكوت عنه في ثقافة بويبلو، بعيدًا عن لغة المركز الاستعماري الأبيض المنحاز ثقافيا، والذي نظر إلى الشعوب الأصلية من خلال عدسة باترياركية، محاولًا إخفاء الدور الذي لعبته النساء والتقليل من شأنهن أو تجاهلهن، ما عرَّضها للانتقاد. كما تكتب سوزان سونتاغ، في "المرض كاستعارة"، إذ كتبت عن السرطان، لا لتصف الألم، بل لتفكّك اللغة التي تخلق وصمة المرض، مهددة بذلك أنساق التابو الاجتماعي. وهو أمر لم تغفله أوردي لورد في كتابها "دفاتر السرطان"، وآرنو، التي كتبت عن مرضَ ألزهايمر في «لم أخرج من ليلتي»، وعن سرطان الثدي في كتابها "استخدام الصورة".
الكتابة المركبة ضد الاختزال وتحرر من الاستعارة
تواجه قدرة النساء عل الكتابة العميقة من مواقع معرفية متعدّدة – سواء استندت إلى الأسطورة، أو الذاكرة، أو الطبقة، أو الجسد، أو الجغرافيا – محاولات متواصلة من المركز السلطوي الأبوي والذكوري لاختزالها بصورة كائن عاطفي، بسيط، أو تابع لا يمتلك الوصاية أو القدرة على الحكم واتخاذ القرار – محاربتها كوالٍ للأمر أو كقاضية تاريخيا مثالًا، كما تواجه كتابتهن اختزال اللغة ذاتها كوسيط وظيفي لتأكيد الهيمنة والصور البلاستيكية.
فمن جانبها، تنبع الكتابة النسوية من العمق لا الرغبة بالإبهار. وبذلك، فهي تُسائل وتكشف وتقاوم، ما يجعلنا نقف في هذا النوع من الكتابة لا أمام بنية لغوية جمالية شفافة فقط، بل أمام حالة تصادم، واشتباك معرفي ووجودي، وحفرٍ في بُنيات الصمت، وتمرد على أشكال النمطية السائدة وأطر التلقي المطلوبة، بما يعيد رسم العلاقات والعوالم والسلطة بلغة ذاتَ نفس طويل، ووعي يُراكم الاكتشافات والكشوفات، ولا يفسِّر، لأن التفسير ترويض للفن كما تقول سونتاغ.
ترفض هذه الكتابة أيضًا أن يكون الجسد استعارة لأشياء أخرى يتم من خلالها تمرير الجاهز والتأويل والأبوي والسلطوي، بل تطالب بأن تتحرر اللغة وأن تتحول أجسادهن بكل تجربتها وخصوصيتها وأصواتها وأسئلتها إلى شيء يًرى. فبينما تكتب الإسكتلندية جاكي كاي لتفكك اللغة والعرق والجندر عبر حفريات للقلب والعقل والبحث في أسئلة الهوية، تكتب إلينا فيرانتي التي اختارت أن تُبقي هويتها سرًّا، بُنية طبقية كاملة، مسكونة بالكشف عن التواطؤات مع الرجال ضمن الأسلوب الذكوري، ما يكشف سوء التمثيل لمن يتمكن من الاختراق والوصول للسلطة. تكتب فيرانتي من عمق التجربة الأنثوية والأمومة والنسوية، لكنها لا تقدّم خطابًا نسويًا جاهزًا، فهي ليست بطلة ولا ضحية، لكن كتاباتها تأتي من الهامش وتعكس الضجيج الذي يملأ رأسها، مانحة لشخصياتها كامل التناقض والذكاء غير التقليدي والتشوّه. كما تؤمن بأن رواية القصص تمثل نوعًا من القوة ووسيلة لمواجهة الاغتراب عن تقنيات الهيمنة، وبناء جينالوجيا أنثوية لمواجهة حالة التهميش التي تتعرض لها النساء.
بناء المعنى وخلق المساحات بالمجاورة، والحفر، والإنصات الطويل
تتحرك الكتابة النسوية المركبة داخل توتر متواصل بين الجسد واللغة، ما بين هشاشته وقدرته على المقاومة من خلال استدعاء كل تجربة جسدية – من المرض، الفقد، الانتهاك، التشوه، الفقد، الشك، الحرب، السلطة، الخ، لا باعتبارها موضوعات للكتابة، بل كمصدر لها. يبني هذا سجلّ عبور زمني قائم على التفتّت، معلنًا عن ذاتٍ مشتبكة مع كينونةٍ أوسع، بشكل يتكثّف فيه الصمت كما الصوت، والهامش كما الذاكرة، لتصبح الحكاية مدوّنةً عضوية للذات والتاريخ.
يُعَرِّي هذا بنية القهر الاجتماعي كما تفعل آني آرنو في حديثها عن الإجهاض السري في فرنسا الستينيات، أو سونتاغ عن سرطان الثدي أو السود والهنود الحمر والفلسطينيات وآتوود عن الانتهاك الاستعماري. كما تكشف كتابة إلينا فيرانتي – وخصوصًا في رباعية "صديقتي المذهلة" – كيف أن وعي الجسد يتضاعف حين يتقاطع مع علاقات الصداقة والغيرة والطبقة والانتماء المكاني، في زمن متحوّل. وهنا يصبح الجسد ليس فقط مرآةً لهشاشة الذات، بل وسيلة لإعادة تركيب الواقع، وجغرافيا رمزية تتقاطع فيها طبقات الجسد والتاريخ وحياة المستعمرات الفقيرة والجنس والمال والحبيب والأم والإخوة. بموجب ذلك، يتحول الجسد الأنثوي إلى مواز للكون، ومنتِجٍ للمعنى لا ناقلا له.
وعليه، يتم استحضار الكتابة الهامشية كأسلوب للتسلل إلى الأسئلة الكبرى كما تفعل شيسوافا شيمبورسكا سالكة طرق الانزياح والاحتيال على اللغة، وعلى شكل حفريات داخل الثقافة كما تفعل سوزان سونتاغ، كاشفة بذلك عن الآليات التي تصوغ التصنيفات الفكرية والجمالية التي تحيط بالأنوثة، والحرب، والصورة، والمعرفة، أو من خلال وضع اللغة في حالة انكشاف دائم عبر تتبع تمزقاتها، حيث يقيم الجمال في الفجوة بين المعنى والصورة والقول والصمت كما تفعل آن كارسون بمجازات مربكة، تلتوي وتنزلق بشكل يخلط الأزمنة والسرد، أو التقشف الشكلي الذي يكشف عمق هشاشة الوجود وارتباك الذات أمام الجسد، والحرية، والحب، والغياب كما تفعل سنية صالح، وبما يمزج الذكريات، والرغبة، والسياسة، واللغة، في نص سردي منقسم على ذاته. تعتمد دوراس على التعقيد غير المجاني، وتحديدًا في "العشيق"، محطمة بنية الحكاية الكلاسيكية من خلال التخلي عن النظام. وتوظيف سلسلة من حلقات غير ذات صلة، وجَدَتها وتركتها دون توقف، ودون البحث عن خاتمة لها، ما قاد إلى إفساح المجال لطبقات متعددة من الوعي خارج السرد الخطي والتوقعات.
الكتابة كتداخل ببين الذاتي والكوني
تكمن قوة الكتابة النسوية المركبة في قدرتها على جعل الذاتي كونيا، قادرا على استيعاب تجارب الوجود والهوية والذاكرة الجماعية وإعادة صياغتها من منظور جديد. ففي أعمال مارغريت دوراس، يعاد بناء الزمن عبر التشظي حاملا الذاكرة إلى أبعاد تتجاوز الذات نحو المجتمع والتاريخ وبما لا يلغي الحميمة. وفي السياق العربي، تشكل جوخة الحارثي جسراً بين الخصوصي والكوني من خلال سردها المتشابك والمضطرب، الذي يعكس تنوع التجارب النسائية في الخليج، ويُعيد إنتاج الذاكرة الجماعية عبر قصص فردية متداخلة.
تستعير كتابة ايناس سلطان – الشاعرة الفلسطينية الواعدة التي تمكنت من مغادرة غزة إلى اوروبا- العين وأعضاء أخرى كاليد لتروي الذاتي في علاقته بالجفاف والتكسر والألم الشخصي، والهشاشة في علاقتها بالكوني كالحرب وفقدان الوطن وتحولات اللغة من الحنان إلى القتل. هذه عتبة تنفتح على زمن متداخل: ما قبل الحرب، أثناءها، وما بعدها، حيث تتشابك الذكريات والتجارب الشخصية مع ما يشبه الذاكرة التاريخية المشتركة، لكن اللغة تشتغل هنا على شكل طبيعة متراكمة، متقطعة، أحيانًا، وتتقاطع مع صور من سينما وثقافة روائية عالمية، ومع اليومي الذي لا يعرفه سواها في علاقته بالمعرفة والألم وتكشف عنه، ما يفتح نصوصها على أفق معرفي متعدّد، يرفض الانغلاق في تجربة واحدة، لكنه في الوقت ذاته يحملها بصدق وخصوصية.
الكتابة المركبة تمرين في مواجهة الكسل
في ثقافتنا، يبدو أن الكاتبة مطالبة دائمًا بـ “تفسير ذاتها"، بـ “تبسيط خطابها"، وبأن تكون "قريبة" من القارئ حتى لا تُتهم بالادّعاء أو التكلّف أو الجرأة. بينما في الواقع، يشتغل النص المركّب لا ضد القارئ، بل ضد الكسل والهيمنة. ولأن الكسل النقدي والإعلام والثقافة والمناهج المتكلّسة والوعي المشغول بخطية مستفزة تخلق حواجز أمام تلقي النصوص العميقة والمركبة والمعقدة، فإنها تختصرها في كلمات ضيقة على غرار: "غامض"، "متعالٍ"، "نخبوي". وهكذا، يُعاقب العميق والمركَّب لأنه لا يُروَّض ولا يُؤطّر.

ارسال التعليق