مجاهد أبو الهيل… مهندسُ التعدّد وروحٌ تنفخ الحياة في إعلامٍ كان ينسى أبناءه

فاضل علي

بقلم: د. فاضل علي

 

في اللحظة التي بدأ فيها العراق يستعيد أنفاسه بعد عقودٍ من الاضطراب، كان المشهد الإعلامي لا يزال أسيراً لخطابٍ أحاديّ الملامح، ضيّق الأفق، عاجزٍ عن احتضان فسيفساءٍ وطنيةٍ تمتد جذورها إلى آلاف السنين.
وفي قلب هذا الفراغ، ظهر الدكتور مجاهد أبو الهيل، لا بوصفه موظفاً ينفّذ قراراً، بل كصوتٍ يحمل مشروعاً وإرادةً ورؤية تتجاوز حدود المناصب، وتعيد للإعلام وظيفته الأولى: أن يكون مرآةً للأمة، لا مرآةً للسلطة.

لم يكن الرجل معنياً بترقيع المشهد، بل بإعادة صياغته من جذوره؛ بإعادة ترتيب الأصوات كما تُرتَّب القصائد، وبإعادة الاعتبار للغاتٍ طالها الصمت، وقومياتٍ طمسها الإهمال.


---

الإعلام حين يستيقظ… تشرق فيه اللغات

حين أسّس أبو الهيل القناة الكردية داخل شبكة الإعلام العراقي، لم يكن يؤسس نافذةً جديدة فحسب، بل كان يؤسس وعياً جديداً؛ وعياً يقول إن الثقافة الكردية ليست ضيفاً على العراق، بل أحد صانعيه.
جعل لهذه القناة روحاً خاصة، وإيقاعاً يليق بذاكرة الجبال، وفضاءً يُقرأ فيه الكردي كصوتٍ وطني كامل الحقوق، لا كهوية تنتظر الاعتراف.

ثم التفت إلى القومية التركمانية، تلك الشريحة التي عاشت طويلاً على تخوم النسيان.
فوسّع قناتها، وحرّر خطابها من ضيق اللحظة، ومنحها فضاءها الطبيعي بوصفها امتداداً لجغرافيا التاريخ، لا رقماً في سجلات الدولة.


---

وكالة بأربع لغات… العراق حين يخاطب أبناءه بلا وسيط

وحين أطلق وكالة الأنباء العراقية بأربع لغات، بدا الأمر أشبه بإعادة تشكيل اللغة الرسمية للدولة.
لقد أراد أن يسمع العراقيون أنفسهم بلغاتهم كلّها، وأن يخاطبوا العالم بلسانٍ واضح، ورؤيةٍ متوازنة، وبهيبةٍ تليق بتجربةٍ حضارية عتيقة.

كان ذلك، في جوهره، إعلاناً بأن الوحدة الوطنية ليست قراراً سياسياً، بل خطاباً إعلامياً عادلاً يشمل الجميع.


---

مشروع لا يشبه زمنه… ومسؤول لا يشبه سابقيه

ما فعله مجاهد أبو الهيل لم يكن امتداداً لنهجٍ تقليدي، بل كان خروجاً واعياً على المألوف، إذ أعاد تشكيل الإعلام العراقي بوصفه فضاءً للتعدّد، لا منصةً للتماثل.
كان يرى في القوميات العراقية رافداً للهوية، لا عبئاً على الدولة؛ وفي التعدد اللغوي ثروة، لا خطراً على المركز؛ وفي الثقافة جسراً، لا ساحة صراع.

ولذلك ظل مشروعه الإعلامي يتجاوز الوظيفة إلى ما يشبه الرسالة:
رسالة تعيد للإنسان موقعه في الخطاب، وللهوية عمقها، وللعراق اتساعه.


---

الخاتمة… حين يصبح الصوت بيتاً للبلاد

لقد قدّم مجاهد أبو الهيل نموذجاً نادراً لمسؤولٍ جعل من الإعلام بيتاً مفتوحاً لكل اللغات والأقوام، لا حكراً على لسانٍ واحد أو نظرةٍ واحدة.
وفي زمنٍ تكثر فيه الأصوات وتقلّ فيه الرؤى، بقي هو واحداً من القلائل الذين فهموا أن الإعلام ليس سلطةً تُمارَس، بل حضورٌ يُبنَى به الوعي، وتتشكل به صورة الوطن.

ومن هنا، يمكن القول إنّ الرجل لم يُعِد فقط تشكيل بنية المؤسسات، بل أعاد تشكيل الخيال الوطني نفسه، وصنع بإصرار وهدوءٍ ما يشبه اليقظة الكبرى لإعلامٍ كان ينسى أبناءه، فأيقظه على حقيقة خالدة:
أن العراق لا يصحو إلا حين تتكلّم لغاته جميعاً.

 

 

مقالات ذات صلة

ارسال التعليق