مرافعة إيقاعية وتأويلية في محاكم الشعر المعاصر
أحمد الماجد
أحمد الماجد
شاعر وباحث | سعودي
المدعي العام الماضوي: أميٌّ تأويليا تارة وغشيم إيقاعيا تارة
سذاجة إيقاعية:
"الوزن ثم الوزن"، فإذا بك تتفاجأ تارةً أنه لا يميز الوزن المنادي به ولا يفطن ولا يحس للإيقاع في القصيدة العمودية المقفاة ما إن تخرجها من نظام الشطرين وتوزع البيت حسب تقسيم الجملة في سطور لا بشكل شطرين، وذلك يعني أن أذنه المتعصبة للوزن لا تميزه سماعيا ولو مع وجود الشطرين والقافية، وتتفاجأ أخرى بأنه لا يميز الموزون المنظوم المدور فيحسبه قصيدة نثر، ويبني تحديه ويعول على نثرية النص جهلا واثقا أو متجاهلا متواثقا. المحصلة أن الشاعر يواجه تعصبا سماعيا ساذجا لا يميز الوزن إلا كتابيا، ويقف أطرشا مع أي خدعة في تشكيل البيت أو إلقائه. مع أن هوس الإيقاع بالأصل يتعلق تمييزه بالضرورة لو صدقَ بالترنم المستمر بلا تقفية، لأن أصل معظم البحور ناتج عن محاكاة أصوات طبيعية متكررة مجردة من الكلام والتقفية، بل وإن اكتشاف طريقة وصف إيقاعية البحور لاحقا على يد الخليل والتي أدت إلى علم العروض كانت مبنية على تأمل إيقاعات أصوات بلا تقفية في سوق النحاسين أو الحدادين.
من جهة أخرى نجد أن تشطير الأبيات الذي يسمى فنيا التخميس، مبني على تكرار الأشطر بقافية صدر البيت المخمس وتأجيل عجزه لما بعد خمسة أشطر.
ونص التفعيلة يزاوج بين الفنين التدوير والتشطير.
تنوير إيقاعي:
شعر التفعيلة الذي يستنكره بعضهم مبني على التدوير وهو تقنية قديمة جدا منذ الشعر الجاهلي، وهو اتحاد الشطرين بكلمة مشتركة في المنتصف، نصفها الأول في الصدر ونصفها الثاني في العجز.
هنالك من التدوير ما يكون بين شطرين كبيت الأعشى التالي من الشعر الجاهلي:
مَرِحَت حُرَّةٌ كَقَنطَرَةِ (الرُّومِـ ـِيِّ) تَفْرِي الهَجيرَ بِالإِرقالِ
التدوير هو الذي بين القوسين، أما نص التفعيلة فما هو إلا تكرار هذا التدوير بين كل جمل وتفعيلات النص، نص التفعيلة عبارة عن أشطر متشابكة (مدورة) بكامله حتى يتوقف في تفعيلة ما حسب مبتغى الشاعر.
–أطلق ابن رشيق على عملية التدوير مصطلح المُدَاخِل والمُدْمَج.
–جدير بالتنويه أن الحاجتين الغنائية والبيانية اللتين تستدعيان التدوير بين شطرين، هما نفسهما اللتان تستدعيان التدوير بين عدة أشطر؛ لاستطراد غنائي تلحيني من جهة واستطراد في استتمام المعنى من جهة أخرى. لقد استفاد المطربون من شعر التفعيلة كثيرا واستثمروه في إبداع ألحان منطلقة.
–قد يصابون بجلطة ماضوية لو علموا أن التدوير بين عدة أشطر بدأ منذ العصر السلجوقي في بحر البسيط على يد الشاعر ابن الشبل البغدادي! ولينظر كتاب د. حسين القاصد؛ الناقد الديني قامعا.
تنوير تأويلي:
بمنطق احتجاج النمطيين على الشاعر المعاصر، نلاحظ أن الأعشى تمرد على بيئة العرب وتراثهم في شعره واستخدم (قنطرة الرومي):
مَرِحَت حُرَّةٌ كَقَنطَرَةِ الرُّومِـ ـِيِّ تَفْرِي الهَجيرَ بِالإِرقالِ
كما يستخدم الشاعر المعاصر ما هو خارج بيئته وتاريخه فهل هي مذمة للشعر المعاصر أم للشعر الجاهلي؟.
ويلاه يا أعشى! أتشبه الدابة بالقنطرة، أتشبه الدابة بجسر روماني؟ لقد شطحت وألغزتَ ورمزتَ وأسطرتَ وغرَّبتَ، ألم يك أولى بك أن تشبه الدابة بما هو من بيئة العرب، يا أعشى حرةٌ كجسر!! إنك تمارس الغموض!.
استخدم طرفة بن العبد قنطرة الرومي أيضا في معلقته:
كقنطرة الرومي أقسم ربها... لتكتنفنْ حتى تشاد بقرمدِ
ويلاه يا طرفة!!! أتشبه الناقة بجسر روماني يجص بالآجر!! يا له من تشبيه بعيد وغريب وشطح وعبث حسب إضبارة محاكم الشعر المعاصر التي يتزعمها قضاة أميُّون تأويليا: الزوزني: "شبه الناقة في تراصف عظامها وتداخل أعضائها بقنطرة تبنى لرجل رومي قد حلف صاحبها ليحاطنّ بها حتى ترفع أو تجصص بالصاروج أو بالآجر".
يبدو أن لدى مدعي عام الذائقة السليمة البليد مشكلة ذهنية متأصلة مع طرفة والأعشى ومع الشعر كامل الدسم والرمز قديمه وحديثه لا فقط مع كوخ خطيئة الشاعر حسن الصميلي: حسن عبده صميلي
من أين أفتحني من أين أغلقني خطيئتي مثل كوخ ضاع في المدنِ
هامش: تتواجد الاستعارة الغريبة عند العرب حتى في مصطلحاتهم الاعتيادية، أجزاء البيت الشعري مثلا؛ الشطر الأول صدر، والشطر الثاني عجز، وكأنهما عضوان من الجسد. ويلاه! الجملة الشعرية عضو؟! وغير بعيد عن ذلك ما يقوله العرب؛ صدر المجلس، إذا كان للمجلس صدر فللخطيئة كوخ، وللإنسان كوخ وباب!

ارسال التعليق