من فلسفة السلام العالمي إلى رؤية السلام في الشرق الأوسط
محمد عبد الجبار الشبوط – مفكر عراقي
2025/08/14
حين قرأتُ كتاب إيمانويل كانت "مشروع للسلام الدائم"، ثم كتاب جون راولز "قانون الشعوب"، وجدت نفسي أمام إطار فلسفي وأخلاقي متين للتفكير في قضايا السلم العالمي. كانت هذه النصوص الكبرى تنطلق من مبدأ أن السلام ليس حالة طارئة أو هدنة مؤقتة، بل هو مشروع حضاري طويل الأمد يقوم على أسس العدالة، والتعاون، واحترام الحقوق المتبادلة بين الشعوب.
لكن ما أثار اهتمامي، هو أن هذه الرؤى الفلسفية، رغم عمقها وعموميتها، لا تجد بالضرورة ترجمة مباشرة في أخطر بؤرة توتر مستمرة منذ قرن على الأقل: الشرق الأوسط. المنطقة التي لم تعرف استقرارًا حقيقيًا منذ الحرب العالمية الأولى، والتي تتشابك فيها المصالح الدولية، والانقسامات الداخلية، والتصورات المتعارضة للهوية والحق.
من هنا وُلدت لدي قناعة بأن تطبيق منطق السلام الدائم في منطقتنا يتطلب أدوات خاصة تتناسب مع طبيعة التحديات فيها. وعلى هذا الأساس، تبلورت عندي فكرتان مركزيتان: الأولى هي المواطنة الشرق أوسطية، وهي إطار تكاملي يمنح مواطني دول الإقليم حق التنقل، والعمل، والإقامة، والاستثمار في جميع الدول الأعضاء، بنفس الحقوق والواجبات التي يتمتع بها مواطنوها الأصليون، مع الحفاظ على سيادة كل دولة ونظامها السياسي. هذه المواطنة الإقليمية لا تلغي الخصوصيات الوطنية والثقافية، لكنها تخلق شعورًا بالمصير المشترك، وتفتح الباب لتعاون اقتصادي وثقافي وأمني أعمق، على غرار التجارب التكاملية الناجحة في العالم.
أما الفكرة الثانية، فهي حل الدولة الواحدة في فلسطين الكبرى، الذي أراه حجر الزاوية في أي مشروع سلام حقيقي في المنطقة. وتقوم هذه الرؤية على دمج الأراضي الفلسطينية التاريخية من النهر الى البحر في كيان واحد، علماني ديمقراطي، يمنح الحقوق السياسية والمدنية كاملة لكل السكان عربًا ويهودًا، بصرف النظر عن الدين أو العرق. إنها صيغة لإنهاء منطق الاحتلال والتمييز، وتحويل أرض الصراع إلى وطن مشترك قائم على المساواة الدستورية، والحريات المصانة، والاقتصاد الموحد، بما يفتح الطريق أمام سلام مستدام.
أرى أن الجمع بين هذين المقترحين يمكن أن يشكل المسار العملي لترجمة المبادئ الكانطية والراولزية في بيئتنا: فـ”المواطنة الشرق أوسطية” توفر الإطار الإقليمي للتعاون والسلام، بينما “الدولة الواحدة” تحل العقدة التاريخية التي تمنع المنطقة من التقدم. إن تحقيقهما معًا ليس مهمة سهلة، لكنه الشرط الضروري لسلام حقيقي ودائم في الشرق الأوسط.

ارسال التعليق