نخيل عراقي : أضواء على رائحة الطين

حسن الكعبي

إنّ البحث عن المهمل أو المنجز المُغيَّب بفعل الإهمال، وانتشاله من تخوم الهامش ووضعه في قلب المركز، يشكّل جوهر المشروع الثقافي الذي تنهض به منظمة نخيل عراقي، ويقف وراءه مؤسسها مجاهد أبو الهيل. هذا المعنى تجلّى بوضوح في كلمته الافتتاحية خلال الأمسية المخصّصة للاحتفاء بالروائي العراقي فريد الطائي وتوقيع روايته رائحة الطين ؛ حيث أوضح د. مجاهد أبو الهيل أنّ هذا الاحتفاء هو استعادة لاسم ظلّت نخيل عراقي تبحث عنه لسنوات. فالطائي معروف بين أوساط المثقفين بوجوده في منطقة الميدان وسط بغداد، في محلّه الشهير «أيام زمان»، حيث تحاصرُه الكتب والانتيكات، وتشي بنزعة أصيلة إلى ترميم ما تكسّر من الذاكرة الثقافية العراقية. وهنا تتجسد روحية مشروع نخيل في إعادة الاعتبار للأصوات التي أسكتها الإهمال أو كبّلتها السلطات، وإعادة إدراجها في الوعي العام.


حسن الكعبي/كاتب عراقي


إنّ البحث عن المهمل أو المنجز المُغيَّب بفعل الإهمال، وانتشاله من تخوم الهامش ووضعه في قلب المركز، يشكّل جوهر المشروع الثقافي الذي تنهض به منظمة نخيل عراقي، ويقف وراءه مؤسسها مجاهد أبو الهيل. هذا المعنى تجلّى بوضوح في كلمته الافتتاحية خلال الأمسية المخصّصة للاحتفاء بالروائي العراقي فريد الطائي وتوقيع روايته رائحة الطين ؛ حيث أوضح د. مجاهد أبو الهيل أنّ هذا الاحتفاء هو استعادة لاسم ظلّت نخيل عراقي تبحث عنه لسنوات. فالطائي معروف بين أوساط المثقفين بوجوده في منطقة الميدان وسط بغداد، في محلّه الشهير «أيام زمان»، حيث تحاصرُه الكتب والانتيكات، وتشي بنزعة أصيلة إلى ترميم ما تكسّر من الذاكرة الثقافية العراقية. وهنا تتجسد روحية مشروع نخيل في إعادة الاعتبار للأصوات التي أسكتها الإهمال أو كبّلتها السلطات، وإعادة إدراجها في الوعي العام.
ذلك ان اسم الطائي ظلّ بعيدًا عن الأضواء وعن أبسط أشكال الاحتفاء، رغم مسيرته الطويلة في الحقلين الثقافي والسردي. فرحلة الطائي الإبداعية حُجبت طويلًا تحت ضغط التابوهات، وتعاقب سلطات القمع التي صادرت حرية التعبير وأطفأت الكثير من الأصوات النوعية في المشهد العراقي.
وذلك ما اشار اليه الطائي بإن التابوهات التي فرضها النظام السابق "طمست جزءًا كبيرًا من هوية الأدب العراقي". هذه ليست مبالغة، بل تشخيص ثقافي دقيق. فالكتابة العراقية، لعقود، كانت تُراقَب وتُقصّ وتُجيّر، ما أدى إلى خلق ثقافة مبتورة، غير قادرة على تمثيل نفسها، وتحت ضغط تلك الظروف تخلّق جيل كامل يكتب من تحت الطاولة أو داخل أقفاص الرقابة الذاتية.
ومع أنّ النظام تغيّر، إلا أن آثار تلك المرحلة ما زالت تحكم علاقة المبدع بالفضاء العام: لا تزال ثمة تابوهات جديدة، اجتماعية ودينية وسياسية، تُحاصر الكاتب وتمنعه من بلوغ حريته الكاملة. وهذا ما يجعل الاحتفاء بالطائي اليوم فعلًا نقديًا بامتياز، لأنه يعيد الاعتبار لصوت لم يُساوِم، ولم ينخرط في لعبة الاستهلاك الثقافي.
وفي سياق اخر بينت مكاشفات الروائي خلال الأمسية عن عمق اشتغاله السردي وتمثّلاته النظرية، إذ قدّم قراءة لتطوّر الرواية منذ سرفانتس، مرورًا بديستوفسكي وفوكنر، وصولًا إلى انتقالها من حقلها التاريخي إلى مجالها النقدي، بوصفها ـ كما يرى لوسيان غولدمان ـ رؤيا للعالم، لا مجرّد بناء تخييلي. فالكلمة الروائية، في منظور الطائي، تتجاوز حدودها الفردية لتتحوّل إلى طاقة اجتماعية فاعلة، قادرة على الإسهام في صياغة الوعي وتوجيهه، وهو ما يجعل الرواية مشروعًا للتغيير قبل أن تكون مجرّد حكاية.
من هنا تتضح القيمة العميقة لهذه الأمسية، ولغيرها من الفعاليات التي تنظمها نخيل عراقي كفعل استعادة لطاقات إبداعية جرى تهميشها قسرًا، وإعادة إدراجها في موقعها الطبيعي داخل المشهد الثقافي. فإضاءة التجارب المعطّلة أو المنسية هو خطوة ضرورية لإعادة بناء الوعي الثقافي العراقي حيث يجد المبدع مكانه المستحق في خارطة الثقافة الوطنية.
 

 

 

 

 

 

مقالات ذات صلة

ارسال التعليق