بين عابس والمشّاية: قراءة في كتاب موسم الجنون للدكتور مجاهد ابو الهيل

تخضع عنونة كتاب "موسم الجنون: المشاية في مراسم الزيارة الأربعينية؛ قراءة سيسيولوجية، للباحث مجاهد ابو الهيل والصادر عن دار العالم للطباعة والنشر،بغداد، ط1، عام 2019" في التدبر القرائي الظاهري الى سوء التأويل الذي ربما يقاربه في سياق الرؤى التي ترى في المشي آلاف الكيلومترات ضربًا من الجنون، لكن منطلقات الكاتب تحاول ان تعيد تعريف مفهوم "الجنون" بوصفه منطقًا رمزيًا يتجاوز محددات الواقع، وينتصر للذاكرة الثورية المتمحورة حول ثورة الامام الحسين والذوبان فيها .

 

حسن الكعبي / شاعر وناقد عراقي

تخضع عنونة كتاب "موسم الجنون: المشاية في مراسم الزيارة الأربعينية؛ قراءة سيسيولوجية، للباحث مجاهد ابو الهيل والصادر عن دار العالم للطباعة والنشر،بغداد، ط1، عام 2019" في التدبر القرائي الظاهري الى سوء التأويل الذي ربما يقاربه في سياق  الرؤى التي ترى في المشي آلاف الكيلومترات ضربًا من الجنون، لكن منطلقات الكاتب تحاول ان تعيد تعريف مفهوم "الجنون" بوصفه منطقًا رمزيًا يتجاوز محددات الواقع، وينتصر للذاكرة الثورية المتمحورة حول ثورة الامام الحسين والذوبان فيها .
ففي تصديره للكتاب يذكر الكاتب واقعة الصحابي عابس بن شبيب الشاكري ومقولته الشهيرة"حب الحسين أجنّني: لتشكل يذلك مفتتحا لتأويل الدلالة المزدوجة، والكشف عن المفارقة التي يتضمنها مفهوم الجنون بوصفه حبا، وانطلاقه من الكون الفردي في حالة عابس الى الكون الجمعي في حالة المشاية ، اي الانطلاق من حالة الوجد الشخصي الى الوجد الاجتماعي. فعبارة "حب الحسين أجنّني" التي قالها الصحابي عابس الشاكري في واقعة الطف، لم تكن تعبيرًا عن اختلالٍ نفسي، بل كانت ذروة العشق الوجودي والانخلاع التام من الخوف والذات.
وفي سياق هذا المرتكز التأويلي في اعادة تعريف الجنون ، يُفهم سلوك "المشّاية" في زيارة الأربعين على أنه امتداد رمزي وطقسي لجنون عابس , فـ"جنون الفرد" يتحوّل إلى "جنون جماعي"، والموقف البطولي يتحول إلى فعل اجتماعي متكرّر سنويًا، تُمارسه الملايين كـتعبير عن هوية روحية وثقافية يتوارثها العراقيون والموالون للحسين (ع)عبر الأجيال.
ان الجنون في هذا السياق يصبح، قيمة عقائدية ، يتجلّى فيها الحب بوصفه طقسًا مقدسًا، والمشي بوصفه فعل ولاءٍ يعبر عن قوة الانتماء. فصرخة عابس الشاكري في طفّ كربلاء، هي بمثابة الاعلان عن انفلاته من منطق الحسابات المادية، ومن قيود العقل المألوف، ليجسّد ذروة العشق الوجودي، حيث يصبح الحبّ محرّكًا للكينونة باتجاه الذوبان في ذات المعشوق.
في ضوء هذه المقولة العاشقة، يمكن فهم ظاهرة المشي إلى كربلاء، بوصفها امتدادًا رمزيًا لجنون عابس؛ فالمشاية في الزيارة الأربعينية تمثّل تجسيدًا حديثًا لجنون الحبّ الحسيني، لكن هذه المرة ليس عبر الفرد البطل، بل عبر الحشود البشرية الزاحفة التي تتجاوز كل منطق مادي، وكل مصلحة شخصية، لتصوغ فعلًا طقسيًا جماعيًا يتكرر كل عام.
ان الكتاب  في حدود ارتكازه للمنهجيات السوسيولوجية خصوصًا نظريات دوركهايم في الطقوس الجماعية،او نظرية السلوك الجمعي ونظريات بورديو عن الحقول الرمزية والممارسات الاجتماعية، مضافًا إلى مقاربات ما بعد الحداثة حول الجسد والديناميات الحركية وكذلك في ضوء الدراسات الميدانية التي شكلت مصدرا مهما في مقاربة ظاهرة المشاية .
اتاح ذلك الارتكاز للكاتب أن يفسّر هذا "الجنون الجماعي" بوصفه نصًا اجتماعيًا حيًّا، وأن يفتح أفق الفهم لظاهرة المشاية كفعل اجتماعي مركب، يتقاطع فيه الدين، والهوية، والمقاومة، والرمزية الجماعية، حيث يصبح المشي إلى الحسين فعلاً يعيد فيه المجتمع بناء ذاته، ويجترح فيه معناه الخاص للوجود والوفاء.
وتدعم هذه المنهجيات رؤية الكاتب في النظر الى الجسد المشّاء بوصفه وحدة تحليل سوسيولوجية. فالجسد في هذه المسيرة يتحول من مجرد أداة إلى علامة رمزية تعبّر عن الصبر، والولاء، والتحمّل، بل والاتحاد مع قضية كربلاء ذاتها.
كما تدعم رؤية الكاتب الى المواكب الحسينية المنتشرة على طريق الزائرين باعتبارها شبكات اجتماعية ، تنتج التضامن والتكافل. ويرى أن هذه المواكب تُعيد إنتاج مفاهيم الضيافة، الخدمة، والاندماج الطوعي في بنية دينية/اجتماعية متماسكة.
وينفذ الكاتب من خلال هذه الرؤى الى مناقشة كيف أن الزيارة الأربعينية، رغم كونها ذات مضمون ديني عالٍ، تنطوي على إمكانات سياسية، بل تمثل في بعض السياقات خطابًا ضمنيًا لرفض الظلم والاحتجاج عليه، وتبعا مؤازرة الحق والحقيقة والتعبير عن الاندماج بالهوية في مواجهة الانقسامات. فالكاتب يرى أن "المشّاية" ليست فقط ممارسة دينية، بل هي نص اجتماعي متحرك، يمكن قراءته بوصفه فعل مقاومة، وتجسيد لهوية جمعية عراقية تتجاوز الطائفية والانقسامات السياسية.
ان دراسة ظاهرة المشي من خارج سياقاتها الحاضنة اي بالاعتماد على المنهجيات الغربية تحديدا بالنظر لشحة المرجعيات العربية والاسلامية لهذه الظاهرة وطقوسياتها المقدسة ، هو بمثابة تحدي كبير للمقاربات النقدية لها ، وهو ما استطاع الكاتب ان يتجاوزه ليفكك الظاهرة دينيًا واجتماعيًا، وان يربط معطياتها القيمية في التأثير على الواقع الاجتماعي العراقي.
واتساقا مع ذلك فان كتاب "موسم الجنون" لمجاهد أبو الهيل يعتبر مساهمة نوعية في سوسيولوجيا الطقوس الدينية العراقية، ويشكّل مدخلًا لفهم أعمق للزيارة الأربعينية وهو محاولة مهمة لفهم طقس المشي إلى كربلاء في أربعينية الإمام الحسين عليه السلام من منظور سوسيولوجي حديث،  يتناول هذه الظاهرة بوصفها حدثًا اجتماعيًا مركبًا، يحمل دلالات عميقة تتجاوز الطابع الديني إلى معاني الهوية، والمقاومة، والانتماء الجمعي وبذلك فهو يتوخى من دراسته هذه ان تكون مصدرا من مصادر تموين المقاربات التي تسعى الى دراسة هذه الظاهرة الطقسية التي تعتبر واحدة من  اهم الشعائر في الدين الإسلامي. 

 

 

 

 

 

 

 

 


\
 

مقالات ذات صلة

ارسال التعليق