صلاح الدين.. مدينة النسيان ومشاريع الورق
كميلة نوري العكيدي
كميلة نوري العكيدي
كاتبة وباحثة | عراقية
في قلب العراق، حيث تنبض الأرض بذاكرة التاريخ، تقف صلاح الدين، لا كقلعة شاهقة بل كأنين خافت، تشكو من مشاريع لم تكتمل، ووعود تبخرت مع أول ضربة مجرفة، ومخططات وُلدت ميتة قبل أن تُبنى طوبةٌ واحدةٌ في واقعها.
في مدنها ونواحيها، المشاريع تبدأ بضجة وتنتهي بصمتٍ مخزٍ، كأنها سرابٌ في صحراء، لا يُرتجى منه ماء، ولا يُحاسب عليه أحد. يُعلنون عن تعبيد شارع هنا، أو إنشاء مدرسة هناك، ثم لا ترى غير الأطلال.. أرصفة محفورة تُركت يتيمة، شوارع تنام على كتل كونكريتية بلا روح، ومجاري تصرخ من الاختناق ولا أحد يسمع.
أين ذهبت الأموال؟، ومن المسؤول؟.
أسئلة تُرمى في الهواء، فيُردّ عليها بالصمت أو بلغةٍ خشبيةٍ معتادة: الأزمة المالية، العقود قيد الدراسة، أو الفساد الإداري. كلمات تلمّع الفشل وتُجمّل الجريمة.
البنى التحتية في المحافظة أقرب إلى بقايا معركة، لا مدينة تنشد الحياة. شوارعها محفوفة بالحفر والمطبات، مدارسها تخنقها الرطوبة وانعدام التهوية، شبكات المياه مهترئة، والكهرباء زائرة عابرة، لا تستقر إلا نادرًا.
والمصيبة أن كل مشروع يُعلن عنه لا يأتي إلا في موسم الانتخابات، وكأن عمران المدينة رهينة لصناديق الاقتراع، وكأن المواطن لا يستحق خدمة إلا بثمن الصوت!..
يا سادة القرار، تكريت وسامراء والدور والضلوعية وبيجي وبلد والدجيل والطوز...الخ، لا تستجدي، بل تطلب حقًّا تُرِك في زوايا الإهمال. هذه المدن التي أنجبت رجالًا وصنعت تاريخًا، لا تليق بها هذه اللامبالاة المزمنة. فلتكن هناك وقفة للمحاسبة، ولغة أفعال بدل لغة الخُطب، ولتعد الحياة إلى طرقها، وماءها إلى أنابيبها، وكرامتها إلى حاضرها. وإلا، فإن صلاح الدين ستبقى عنوانًا للفشل، ومتحفًا لمشاريع لم تولد أبدًا، وضحيةً تُضاف إلى سجل المدن العراقية التي نالت من الخراب أكثر مما نالت من العدالة.

ارسال التعليق