فاروق هلال بين الإهمال وعودة الروح
حسن الكعبي
حسن الكعبي / ناقد عراقي
يشكّل الإهمال الذي يطال الطاقات والنخب الثقافية والفنية والعلمية أحد أخطر مظاهر اللامبالاة في الفضاء العربي عموماً، والعراقي على وجه الخصوص. إذ تكاد هذه الحالة تصبح نسقاً اجتماعياً يكرّس تهميش المبدعين، ويدفعهم إلى مواجهة قاسية مع العزلة أو المنفى.
فالإبداع حين لا يجد اعترافاً من محيطه، يتحوّل إلى عبءٍ وجودي على صاحبه، إذ يشعر المبدع أن كل ما أنجزه من عطاء فكري وفني لم يكن سوى صدى يتلاشى في فراغ عامٍّ يسوده الجحود والنسيان. عندها، يغدو المنفى خياراً للبحث عن هوية جديدة، أو عن وطن بديل يحتضن الحلم المؤجل، فيما يصبح العزوف عن الحياة شكلاً من أشكال الموت الرمزي.
من بين هذه النماذج المؤلمة يبرز اسم الموسيقار العراقي الكبير فاروق هلال، الذي عاش طويلاً تحت وطأة هذا الإهمال، رغم ما قدّمه للأغنية والموسيقى العراقية من ثورة تجديد، وصفها هو ذات مرة بـ"الانقلاب الموسيقي".
لقد وجد هلال نفسه محاطاً بالصمت بعد مسيرة امتدت لعقود، أسهم فيها في تطوير الذائقة الموسيقية وتشكيل هوية لحنية عراقية حديثة. لكن سنوات الغياب الطويلة كادت تكرّس قطيعته مع الجمهور، لولا أن جاءت مبادرة منظمة نخيل عراقي الثقافية لتعيد إليه الحياة من جديد.في أمسية استثنائية أقامتها المنظمة، استعاد هلال صلته بجمهوره، وتنفّس هواء الحفاوة الصادقة التي أعادته إلى دائرة الضوء. وأكّد في حديثه أن هذه الأمسية لم تكن مجرّد تكريم، بل كانت لحظة انبعاث روحي، إذ قال: "كنت أظن أن علاقتي مع التلحين قد وصلت إلى محطتها الأخيرة، لكنني حين دخلت نخيل عراقي، وشاهدت هذا الحراك الثقافي والفني، والوجوه الشابة التي تؤمن بالجمال والإبداع، شعرت وكأنني أعود إلى البدايات من جديد."
كما أشار إلى أن هذه المبادرة النبيلة جاءت بفضل رؤية الشاعر مجاهد أبو الهيل، مؤسس منظمة نخيل عراقي، الذي سعى إلى كسر دائرة اللامبالاة والإهمال السائدة في المشهد الثقافي العراقي، عبر إحياء التواصل بين رموز الفن والإبداع والأجيال الجديدة. وقال هلال في هذا السياق:"إن حفاوة نخيل عراقي تأتي ضمن مسعاها النبيل للتصدي لحالة الإهمال الثقافي، وذلك يعود إلى جهود الشاعر مجاهد أبو الهيل الذي أعاد للفن العراقي اعتباره، وللمبدعين مكانتهم."
واضاف : "نخيل عراقي ليست مجرد منظمة ثقافية، بل بيت حقيقي للفن والمبدعين، وجدت فيه دفئاً إنسانياً وحفاوة صادقة أعادت لي الرغبة في العطاء، لذلك أفكر جدياً في العودة إلى التلحين من خلال بوابتها التي تحتفي بالمبدع العراقي وتفتح أمامه آفاقاً جديدة."
وفي ختام حديثه، يختصر فاروق هلال التجربة بعبارة تلخص جوهر المسألة: "الفن لا يموت، طالما هناك مؤسسات مثل نخيل عراقي تحميه وتمنحه الحياة من جديد."
إن عودة فاروق هلال ليست مجرد استعادة لفنان كبير، بل هي استعادة للثقة بالحياة الثقافية نفسها، تلك التي تحتاج إلى مبادرات حقيقية — مثل مبادرة نخيل عراقي — لتحويل الاعتراف بالمبدع إلى فعل مؤسسي دائم، لا إلى لحظة احتفاء عابرة. فالمجتمعات التي تهمل مبدعيها، إنما تهمل ذاكرتها وروحها، بينما تلك التي تحتفي بهم، تؤكد قدرتها على البقاء والنهوض.






ارسال التعليق