قصة الارنب للقاص محمد حريب
محمد الكعبي
محمد الكعبي / شاعر وناقد عراقي
تتداخل في قصة "الارنب" للقاص محمد حريب الاسماء والاحداث والرموز.
ومن الواضح استخدام القاص مدينة الناصرية وشخصياتها الادبية والفنية والدينية وامكنتها ورموزها مكانا لبؤرة الحدق وطرح تفاصيل يختلط بها الخاص بالعام، والماضي بالحاضر والحضري بالعشائري لتصل الى ذات البوتقة التاريخية التي لم يتحرر من عنقها الانسان بعد.
تسجل القصة نقدا لاذعا لحقبة زمنية موغلة في الغرابة وعصية على الاستيعاب ، تلك المرحلة التي كانت عصية على التصديق .
وظّف الكاتب في قصته المفارقات المذهلة لتلك المرحلة ، ولشخصيات ورموز المدينة التي يشير لها بشكل مفضوح .
تمزج القصة بين الواقع والوهم والسياسي والاجتماعي والثقافي بممكنات وادوات فنية اكسبت القصة بعدا مهما على مستوى الشكل والمضمون ، مايجعل هذه القصة جديرة بالقراءة والاهتمام ، كونها تمثل قراءة للتاريخ بطريقة فنية مختلفة.
الارتب : قصة قصيرة / محمد حريب
كان يسير على أطراف قرية "فرحان"، فسمع حديث "نون" الممتنعة عن رغبة عشيقها "قاف"، وهي تقول له: لا أُمَكِّنُكَ من نفسي حتى تجلب لي القميص الزهري الذي وعدتني به يوم أمس ولم تفِ بوعدك، فيما هو أخذ يتنقل من عذر لآخر دون أن يقنعها بالنزول عند رغبته. فالتقط حجارة كانت على مقربة من عجلة دراجته الأمامية، ووجهها إلى "الصريفة" التي كانت تحوي العشيقين، وفر هاربًا وتركهما بدهشة مهولة. فطرأت في ذهنه فكرة: أن عقل المرأة دائري والرجل خطي، وإن الملا فرويد وبافلوف (أبو الجلاب) كذبا على الناس، وكون الناس تنبهر بالأسماء الشهيرة صدقوا الكذبة، ولم يسعوا إلى التحقق منها. هذا الكشف العلمي غير المسبوق كما يزعم هو، جعله متحمسًا بعرضه على كافة شرائح المجتمع المغيبة عن الحقيقة، بعد أن صاغه على شكل نظرية .فبدأ بالمطرب الشعبي "عزيز الشهري"، وعرض عليه أن يحول نظريته إلى بيت "أبوذية" ويغنيه على المارة في سوق "سيد سعد"، لكن الشهري لم يفلح في تحويلها إلى أغنية على نمط الأبوذية، وغنى له بدلا عنها أغنية (مابدلك والنبي من عمري لو ظل يوم) للمطرب البابلي (سعدي أبو عِنّة) بعد أن شفط منه علبة سكائر "غازي" التي اتفق وإياه عليها كثمن للمهمة التي انتدبه إليها، فرفض الاستماع له رغم أن الشهري أكد له أن هذه الأغنية أداها في مضيف هارون الرشيد بمناسبة زواجه من الأعجمية "مراجل الباذغيسية" بحضور أعضاء القيادة القطرية والقومية ومسؤولي اللجان المحلية للحزب البلشفي الإسلامي، ومنظمة عشائر الجبل الديمقراطية، وإن الخليفة طرب طربًا شديدًا وظل يتمايل على أنغامها وقد كرع عشرات الكؤوس من الخمور الرومية، التي كانت تهرب له خفية، لأنه كان في حالة حرب مع الدولة البيزنطية، ثم خلع عمامته السوداء وألقاها عليه، فيما زوجته "زبيدة العباسية" كانت تطبق كفيها وتضرب إصبعا بآخر، ثم أمرت له بكسوة وغُسل مجاني دائم في الحمام الحسيني الذي اشترته مؤخرًا وضمته إلى ممتلكاتها. بينما الخليفة الرشيد منحه هوية فناني القصر بشعارها الثلاثي (أمة سفيه داعرة)
لكن صاحب النظرية حرك مقود دراجته وقصد إلى مقهى مسلم حيث يتواجد كبير مسرحيي المدينة، وبعد شرح مبسط، طلب منه أن يعمل منها مسرحية وأن تكون على شكل سؤال مفتوح للجمهور علَّ أحدهم يجيب عنها. وافق المخرج "البراك" على العرض بشرط أن يأخذ رأي عميد المسرح "الشيخ زبير" قبل أن تُدمج حروف اسمه ليصبح شكسبير. فذهب إلى مقاطعة "الفرهة" ضمن ولاية الهصاروة الشرقية، وهناك وجد الشيخ زبير يجلس على دكة طينية وخلفه صورة جده بعمامة كبيرة الحجم بيضاء، حينما كان يدرس أصول فن (البانتوميم) في الحوزة العلمية. فعرض عليه المسألة وطلب منه الموافقة. حدق طويلًا "شيخ زبير" في وجه محدثه كمن يبحث عن شيء ما، وبعد أن نفث دخان سيجارة "المزبن" قال بلكنة ريفية: لا مانع لدينا بشرط عرض القضية على الحاج برخت. فتركه البراك وتوجه إلى ناحية الحمار حيث مسكن "الحاج برخت" الذي كان يتناول أكلته المفضلة "المصموطة" وإلى جنبه بندقية (الماوزر الأركلوجية) التي صنعتها دائرة الطباشير القوقازية، وما أن سرد له المخرج قصته والجهة التي قدم منها، حتى امتقع لونه وتلبدت ملامحه، ثم زم شفتيه وقال، بنبرة صارمة: لقد كنا على ود وصفاء ولكن تركنا فلسفة التجاور ولجأنا إلى جدلية التنافر، حينما تعدت (صخول) عرب الشيخ زبير على مزروعاتنا وأتلفتها، فدبت الفتنة بيننا وحلَّ العداء، فسعينا لحل الخلاف عبر أدوات الدبلوماسية والحوار الهادئ، فبدأنا بالكلاشينكوفات وبنادق البرنو، ثم تطور الأمر إلى مدافع الهاون والكاتيوشا فالطائرات المسيرة، حتى نفدت أسلحتنا. فلجأنا إلى سلاح الإقناع الأبيض من خناجر ومكاور ومعاول وفالات. ولم ينته الخلاف بيننا، فلا يمكن لنا أن نتعاون فنيًا مع الشيخ زبير وأزلامه..
لكن راكب الدراجة لم ييأس وراح إلى أديب الحزب المفضل "المهلهل المكراوي"، وطلب منه أن يسردها كقصة تعبوية أسوة بقصة "طيور الحرب القبيحة". فدعا المكراوي أقرانه في المقر الرئيس لفرع الحزب، قبل أن تقصفه طائرات التحالف الانجلو _فارسي عام (5) للهجرة وتسويه في الأرض. وعرض عليهم طلب المواطن صاحب الدراجة الهوائية، فاشتد النقاش بين المجتمعين، وتشتت آراؤهم بين الموافقة والرفض وتأجيل البت بها. إلا أن الكاتب ذا القلم متعدد الأسنة (خضير القزحاوي) قال كمن اهتدى إلى سر عظيم: لا يمكن لنا أن نتناول ما لا نعيه بشكل دقيق. هذه سابقة خطيرة، قد تكون مؤامرة خارجية تستهدف هويتنا لتنسف تاريخنا وتهدد وجودنا. وأيده شاعر أعياد ميلاد " قرد بني زيتون" إبراهيم شبزي الذي يعشق مرقة" الشبزي" الولائية بجنون، ويبيع الوطن وأهله بوجبة منها، رغم تعصبه الظاهر لأكلة "التشريب" الوطنية.
فيما المؤلف الموسيقي (حمود المُكْثِر) الذي نال لقبه لكثرة إطرائه لفرقة (أم علي) للفنون القمعية. لكنه لم يستسلم، وقصد مكتب خبير اللغات القديمة الأمير "دوشي" حفيد الملك " شولكي" رغم أن المدونات القبلية تقول إنه ينحدر من سلالة المهدي المنتظر، وطلب منه ترجمة نظريته إلى اللغة السومرية وإلا سيقوم بتغييبه، ولن يستطع أحد العثور عليه. وافق "دوشي" تحت التهديد وأنجز المهمة بسرعة خاطفة، فمضى راكب الدراجة إلى موقع آثار الأوريين وعلقها على معبد الزقورة، لكن في اليوم التالي أقسم الحراس بروح (سيد رحمة) أنهم شاهدوا المستشار الثقافي للملك "أورنمو" عبد الحزين الحمداني، الذي مات بداء الحنين، يخرج من المقبرة الملكية، وهو يرتدي زي كهنة المعابد، وبيده رمح نحاسي يفوق حجم قامته مرتين، واتجه من فوره إلى اللافتة وبلمح البصر مزقها وداسها بقدميه ثم بصق عليها
فأقسم بجدته "فرهودة" سيدة الحداد الأبدي، التي لم تتجمل بالكحل والديرم منذ استشهاد بعلها في حرب صفين الثانية، فلم تُثر كالسابق شهوة زميل مهنتها "سلوم اللوَّاط" الذي كان يكتفي بحمارته دون النساء شهوةً، وإذا ما وجد أحد الصبيان المشردين، يحمد الله على ما فيه من النعمة، ويقبل صورة الإمام علي في كل صباح. "فرهودة" التي كانت تعمل على عربة بحصان وتجوب شوارع الناصرية لتبتاع العظام وتسوقها للمصانع لتحويلها إلى صحون، ولم تكن بالطبع تفرق بين عظام الكلاب أو الأغنام، لكن "زاير ربد" بائع "الدوندرما" الشهير، كان يقول عنها بأنها شيطانة لأنها تجمع عظام الكلاب النجسة وتبيعها على أساس أنها عظام أغنام، فكان يستخدم الصحون البلاستيكية، ولما أخبره منظر الفكر القومي "شنيشل" أن هذه الصحون البلاستيكية مصدرها النفط، والنفط مصدره العظام بكل أنواعها، صُدم "زاير ربد" ووجد نفسه محاصراً بين عظام الكلاب والعظام البشرية، فأصابته كآبة حادة، وفي اليوم التالي وُجد متخشباً مثل عظمة في دكانه الصغيرة، فوضعت جثته في عربتها تاجرة العظام "فرهودة" ومضت به إلى مقبرة "سيد ذهب" وهي تحسب أن عظامه تعدل دزينة من الصحون متوسطة الحجم، عقاباً له على تشويه سمعتها وقطعه لرزقها. لكنه قرر ألا يترك الأمر ويستمر في تحقيق هدفه، ما دام فيه عرق ينبض، وقرر هذه المرة أن يستخدم القوة لتحقيق غرضه، وفعلاً ذهب إلى (شقي) المدينة "جميل الأعور" وعرض عليه الموضوع، لكن الأعور أخذ منه حزمة الورق وألقاها في معلف حصانه، ووجه له نطحة مميتة، لكنه تفاداها بمهارة ذئب وفر هاربًا. ثم لجا إلى مجانين المدينة واقنع كاظم الحلو برفع بطاقة تعريفية لها بدلا من قطعته الشهيرة كاظم الحلو الحباب آلا ان كاظم سرعان ما رماها تحت اقدام المارة في شارع الحبوبي واطلق ضحكة مزلزلة بينما قدوري صعد على اكتاف التمثال واخذ يصرخ ( هلهولة للشعب الكامز) وبعد ذلك أخذ يسجل حكايته على قطع ورقية ويدسها في قناني زجاجية ويلقيها في نهر الفرات، أو يصطاد الزرازير وطيور الخضيري المهاجرة من المناطق الباردة، ويشد الأوراق بإحكام على أرجلها. أو يكتب على الجدران وواجهات المحال وعلى مؤخرة السيارات، أن عقل المرأة دائري والرجل خطي.. عقول النساء دوائر والرجال خطوط طولية، المثلثات في المربعات.. الزوايا مستوية والأضلاع منحنية. لقد تفجرت لديه الرغبة في كشف المستور للناس الذين يعيشون في غفلة أزلية كما يراها هو. منذ أن ذهب إلى "صريفة" الممتنعة " نون" وهو يحمل معه قميصًا زهريًا بعد أن سمع بموت حبيبها، قاف الراغب، الذي لم يحقق أمنيتها، لكنها فاجأته بأنها لم تعد تحب اللون الزهري بل صار علامة شؤم بالنسبة لها، فوعدها في الليلة التالية أن يجلب لها قميصًا بلون آخر، وسلمها ظرفًا ملصقًا بإحكام وملفوفًا في قطعة قماش حمراء مُسحت بشباك الضريح المقدس لسمسارة الأجساد الماجدة "أم جفَّات" الذي أصبح مزارًا لجميع أبناء الوطن وليس فقط لأرباب المهنة!وكان الظرف يحوي تفاصيل هذه القصة، وطلب منها أن تدفنه بين نهديها إذا ما اقتربت منيتها. وحينما جلب لها قميص نوم أصفر فاقع، وجدها قد ماتت. وبعد مئات السنين، عثرت شركة "شيفرون الأمريكية" النفطية على الظرف وسط خزانات البترول العملاقة فعملت عنه بحث coogle
. لتجد تطابق ما جاء فيه مع تفاصيل هذه القصة، التي نُشرت في عام الأرنب، سنة 1447 هجرية.
ملاحظة : دُوِّنت هذه القصة من فم راكب الدراجة الذي كان نزيلاً في مشفى المجانين، في مبنى المكتبة العامة الذي تحول إلى مشفى للمجانين في عهد حكومة "جماعة الرب" قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة. الأرنب

ارسال التعليق