فيلر لغوي: نصوص في صالونات الذكاء الاصطناعي
سعد صبّار السامرائي
سعد صبّار السامرائي
كاتب وباحث | عراقي
كنتُ أقلب في "الفيسبوك"، وإبهامي يندفع مسرعًا، متجنبًا الغثّ وما يسبب الغثيان: وجوهٌ طُمِست معالمها بالتجميل، ومسختها الأصباغُ والحقنُ حتى غدت قوالبَ متشابهة، لا تميّز فيها إلا بمقدار ما يميَّز الغرابُ عن الغراب.
توقفت عند منشور يزعم أنه "قراءة تحليلية لديوان شعري معاصر"، فاستوقفني هذا التزاوج الغريب بين المصطلح النقدي الجاد والنص الهشّ الذي أمامي. ما إن بدأت القراءة حتى قفزت إلى ذهني أوجه الشبه بين صالونات التجميل وصالونات الكتابة الآلية؛ كلاهما يُعيد إنتاج العبث ذاته. ما فعله "الفيلر" في الشفاه والوجوه، يفعله الذكاء الاصطناعي في الجمل: تضخيم بلا معنى.
تابعت القراءة فوجدتني أمام نص مُثقل بجمل نمطية، لا تخدم السرد ولا تفضي إلى دلالة معينة، مثل: "ليست مجرد... بل"، أو "لا كذا، بل كذا". تكررت هذه التركيبة حوالي عشر مرات في نص لا يتجاوز صفحتين، حتى بدا أن الذكاء الاصطناعي الذي صاغها لم يجد غيرها سبيلًا لإضفاء العمق، أو ما يُظن أنه عمق.
والأدهى أن كاتب المقال – الذي يصف نفسه كاتبًا "وناقدا" – قدّم تحليله كأنه اكتشاف لغوي أو تأويل وجودي، في حين أن أدوات الذكاء الاصطناعي باتت تُنتج هذا الشكل من النصوص بكفاءة لا ينقصها سوى الحسّ البشري. والأدهى من ذلك أن الشاعرة التي خُصّص لها المقال أعادت نشره بكل سرور، وتفاعل معها متابعيها بقلوب حمراء.
في عملنا الأكاديمي، نستخدم برامج خاصة للكشف عن التشابه والاقتباسات التي تزيد نسبتها عن ٢٠٪ في البحوث وواجبات الطلبة. حساسية هذه الأدوات عالية جدًا عندما يتعلق الأمر بالنصوص الإنجليزية، لكنها تنخفض في التعامل مع النصوص العربية.
تحاول العديد من المجموعات تقييم تأثير نماذج اللغة على الإنتاج العلمي، غير أن الأمر معقّد بسبب عدم كشف معظم المستخدمين عن لجوئهم لهذه الأدوات. وتعتمد الجهود عادة على تدريب نماذج قادرة على التمييز بين النصوص البشرية وتلك المنتجة آليًا، ثم تطبيق هذه النماذج على الأدبيات العلمية. لكن من غير الواضح كيف تُجري هذه النماذج هذا التمييز، كما أن بيانات التدريب لا تمثل بالضرورة الأنماط الحديثة في الكتابة الآلية.
اتّبع الباحث دميتري كوباك، عالم البيانات في جامعة توبنغن بألمانيا، وزملاؤه نهجًا مختلفًا أكثر انفتاحًا. فقد بحثوا في الملخصات عن "كلمات زائدة" بدأت تظهر بوتيرة غير معتادة منذ نوفمبر 2022، وهو الوقت الذي أصبحت فيه أداة ChatGPT متاحة على نطاق واسع. استلهم الفريق فكرته من طريقة تقدير "الوفيات الزائدة" خلال جائحة كوفيد-19.
وجد الباحثون أن 454 كلمة ظهرت في عام 2024 أكثر بكثير من أي عام آخر منذ 2010. وكانت هذه الكلمات في الغالب كلمات "أسلوبية" لا تتعلق بمحتوى البحث، وغالبًا ما تكون أفعالًا أو صفات. بعض هذه الكلمات كان شائعًا مثل "findings" نتائج، و"crucial" حاسم، و"potential" محتمل، في حين كانت أخرى أقل شيوعًا مثل "delves" يتعمق و"showcasing" يستعرض. أما الكلمات الزائدة التي برزت في النصف الثاني من عام 2024 فتضمنت كلمات مثل "heighten" يعزز و"hinder" يعيق، إضافة إلى صفات تفخيم مثل "unparalleled" لا مثيل له و"invaluable" لا يُقدّر بثمن، وفقًا لكوباك.
تحدث تغييرات في اللغة العلمية والأدبية على حد سواء بمرور الزمن، وقد ترافق بعضها مع أحداث كبرى مثل جائحة كوفيد-19 في عام 2020. ففي عام 2021 مثلًا، ظهرت 190 كلمة زائدة وكانت في الغالب أسماء مرتبطة بمحتوى الأبحاث مثل "mask" كمامة. لكن التحوّل اللغوي كان أكثر حدة، وتركز على الأسلوب أكثر من المحتوى.
مع ذلك، هناك نوصوص لا تحتاج إلى أدوات للكشف، أو البحث عن كلمات زائدة وغريبة. فطريقة الكتابة نفسها تفضح كاتبها. وإن شئتَ الدليل، فهاك هذه الجمل التي وردت في مقال صديقنا الذي لا يتجاوز ٧٠٠ كلمة، وجميعها تكرارات لصيغة توكيدية واحدة:
"يأتي الشعر لا من علٍ، بل من عمق القلب."
"لا نقرأ قصائد فحسب، بل نشارك في طقوس روحية شفيفة."
"لا تتيه في الضباب، بل تسير - رغم وهن القدمين."
"ولا مستقبل يُنتظر، بل الآن، بتجلياته ومواراته."
"الزمن لم يعد سلطةً، بل مادة شعرية تنكسر."
"ليست استعارة محضة، بل تقرير يقول لنا..."
"مرآةٍ لا تخفي التجاعيد، بل تبرزها في ضوء شعريّ."
"ليست مجرد استعارة، بل دليل."
"لا لتتراجع، بل لتُعيد النظر."
"لا تعني الشفاء، بل الخوض في سؤال الذات من جديد."
هكذا تتكرّر الصيغة، وتنهار الفكرة تحت وطأة التوكيد المفتعل.
وها نحن نرى المشهد ذاته يتكرّر في مواقع التواصل، والمنصّات، والصحف الرقميّة: نقدٌ يُولد من غير قراءة، وشِعرٌ يُكتب من غير شعور، ومقالات تتشابه كما تتشابه وجوهُ الفاشينيستات وعارضات الأزياء.
وكما كتب الإعلامي والأديب سليمان المعمري في مقاله: "إلى كتبة الذكاء الاصطناعي: ارحمونا!" نردّد النداء ذاته؛ فالكتابة، يا سادة، كانت يومًا فعل مقاومة، وبوحًا من لحمٍ ودم، اشتعالًا داخليًا ينقلب إلى نَفَسٍ من كلمات منسوجة بعناية وحضور. أما اليوم، فقد غدت عرضةً للشفط والحقن، معلّقةً بخوارزميةٍ عمياء، قد تُسقِط الكاتب في هوّةٍ لا قرار لها، حيث تُصاغ المعاني على عجل، وتُسكب الأفكار في قوالب باردة لا دفءَ فيها ولا أثر.
_________________________
Kobak, Dmitry, et al. "Delving into LLM-assisted writing in biomedical publications through excess vocabulary." Science Advances 11.27 (2025): eadt3813.

ارسال التعليق