هَيَّا نَشتر باحثاً
سعد صبّار السامرائي / كاتب وأكاديمي عراقي
في كتابه هَيَّا نَشتر شاعرًا، يشير أفونسو كروس إلى أن الشعر لا يُكتب من أجل التكسب أو السعي إلى المكانة. ويقول: "إن أبيات الشعر تحرّر الأشياء. وإننا حين ندرك شاعرية الحجر، فإننا نحرّره من تحجّره. ننقذ كلّ شيء بالجمال. ننقذ كلّ شيء بالشعر. ننظر إلى جذع ميّت فنبعث فيه الحياة".
ومن هذه الزاوية، يمكننا أن نقرأ مأزقنا الأكاديمي الراهن. فكما يُستدعى الشاعر اليوم ليكيل المديح لسياسيٍّ فاسد، أو ليهجو طائفة من المجتمع، أو ليوقّع ديوانًا لا يُقرأ، يتهافت كثيرٌ من الباحثين في جامعاتنا ليُدرج اسم جامعته، واسم زميله، ثم اسم زميلته، وربما زميلة زميلته "الحسناء"، ويُطالَب زميلٌ آخر باقتباس بحثه المنشور في إحدى المجلات المفترسة. وبعد فترة وجيزة، تنهال الأخبار على صفحة "فيسبوك" الجامعة، وهي تبارك تلك "الإنجازات".
في دراسة حديثة نشرت بعنوان "لعبة الأرقام؟ الشذوذ الببليومتري وأزمة النزاهة في تصنيفات الجامعات العالمية" Gaming the Metrics? Bibliometric Anomalies and the Integrity Crisis in Global University Rankings، يحذّر الباحث اللبناني الدكتور لقمان مِهُو من تحوّل تصنيفات الجامعات العالمية إلى محرّك للتزييف المؤسسي، حيث تُكافأ الجامعات على الكثافة العددية للنشر، لا على جودته، مما يؤدي إلى ممارسات تُقوّض سجلّ البحث العلمي وتقوّض الثقة في التقييم الأكاديمي ذاته.
الدراسة، التي نُشرت في أرشيف bioRxiv المفتوح يوم 19 يونيو 2025، فحصت 18 جامعة من بين 98 مؤسسة "سريعة النمو" اختيرت بسبب تراجع حاد في نسب تولّي باحثيها مواقع المؤلف الأول والمراسل العلمي، وهو ما عُدّ "مؤشرًا مبكرًا للتلاعب المقصود بالمقاييس". وجاءت هذه الجامعات من الهند (7)، لبنان (1)، السعودية (9)، والإمارات (1). ومن بين هذه الجامعات مؤسسات عربية صعدت سريعًا في التصنيفات، ولكن عبر استراتيجيات يُشتبه بأنها تفضّل التضخيم الكمي على النزاهة المنهجية.
يُشير مِهُو إلى أن تصاعد معدلات النشر — أحيانًا بنسبة تتجاوز 400% خلال خمس سنوات — لا يمكن تفسيره بالتطور العضوي وحده. فعند اقتران هذا النمو بتراجع أدوار التأليف الحقيقية، وازدياد الاعتماد على مجلات محذوفة من قواعد البيانات العلمية مثلScopus، وتضخم شبكات الاستشهادات المتبادلة، وارتفاع معدلات السحب، تظهر صورة "أكثر تعقيدًا وأقرب إلى السلوك الاستراتيجي الموجَّه لدخول التصنيفات العالمية واكتساب صورة مجتمعية زائفة".
ومن أجل تقييم هذا الخطر، طوّر الباحث مؤشرًا جديدًا أطلق عليه اسم RI² (مؤشر مخاطر النزاهة البحثية)، يجمع بين معدلات سحب الأبحاث ومعدلات النشر في مجلات محذوفة ضمن قيمة مركبة واحدة. الهدف من هذا المؤشر ليس التشهير بالمؤسسات، وإنما مساعدة الجامعات على رصد المخاطر الأخلاقية في الأداء البحثي قبل أن تتحول إلى فضائح أو خسائر في السمعة.
يرى مِهُو أن هناك حاجة ماسة لإعادة النظر في الطريقة التي يُقاس بها الأداء البحثي، ويجب أن تنتقل الجامعات من السعي وراء الحجم والظهور إلى مؤشرات تُظهر الإشارات الهيكلية للمخاطر الأخلاقية، مثل الاعتماد على مجلات منخفضة المصداقية أو حالات الانتحال والتزوير.
ولا يخفى على أي متابع للواقع التعليمي في العراق أنّ المؤسسات الأكاديمية تحوّلت إلى امتداد للسلطة، وساحة تُرفع فيها الأعلام، وتُقام فيها الطقوس، فيما تُنسى المكتبات وتُهجر المختبرات. يتقدّم المتملّق، ويتأخر الجادّ، ويُكافَأ مَن يُكثِر النشر الكميّ، لا مَن يُنتج معرفة ذات قيمة. أما المجلات التجارية، فقد غدت ممرًّا إلزاميًّا لنيل الترقية الأكاديمية، أو لعبور مرحلتي الماجستير والدكتوراه، مهما كانت جودة المحتوى.
وبحسب التصنيف الصادر في حزيران/ يونيو 2025، صُنّفت ثماني جامعات عراقية ضمن فئة "الراية الحمراء" (Red Flag)، ما يشير إلى وجود انتهاكات منهجية ومتكررة لنزاهة البحث العلمي. ومن بين هذه الجامعات: جامعة المستقبل العراقية، جامعة بغداد، جامعة بابل، جامعة البصرة، جامعة الموصل، وجامعة الكوفة. أما الفئة الأدنى، التي تعبّر عن بيئة بحثية محفوفة بالمخاطر الجدية، لكنها أقل حدة، فقد ضمّت جامعات أخرى من مختلف المحافظات.
من جهة أخرى، سجّلت الجامعات العراقية تراجعًا فادحًا في جودة النشر الأكاديمي. ففي مؤشر نيتشر العالمي، لم يتجاوز مجموع النقاط 1.23، وهو رقم يقلّ عن متوسط إنتاج طالب دكتوراه واحد في جامعة أجنبية. بل إنّه أدنى من مستوى دول تعاني اضطرابًا سياسيًّا واقتصاديًّا مثل أفغانستان، وأضعف من مراكز أبحاث صغيرة في أوروبا الشرقية وجنوب شرق آسيا. أما على مستوى دول الجوار، فالفجوة أكثر فداحة: إيران، رغم الحصار، تسجّل إنتاجًا علميًّا يفوق العراق بأكثر من مئة ضعف. تركيا، السعودية، والأردن جميعها تتقدّم بفارق شاسع.
وهذا المنطق، بكل وضوحه ومصداقيته، يلتقي تمامًا مع ما كتبه باولو فريري في تعليم المقهورين:
"حين يصبح التعليم أداة بنكية، مجرد أرقام لأبحاث ليس لها قيمة، ومحاضرات عقيمة تُدس في عقول الطلبة" فإذا اجتمع منطق السوق مع عقلية الاستعراض، وساد نظام يكافئ التضخيم ويهمّش النوعية التي تحاكي واقع الإنسان ومشاكله الحقيقية، فلن يُثمر عن ذلك إلا طبقة جديدة من "الأكاديميين المزيفين"، أولئك الذين يحملون الألقاب الرنانة ويعدّون أرقام الأبحاث المنشورة في مستوعبات "عصية على الاستيعاب"
وما تُظهره دراسة مِهُو هو أن المشكلة لا تتعلق بالدول النامية وحدها، بل بآلية التصنيف نفسها، التي قد تُغري الجامعات بالتحايل، لأن المكافأة مرتبطة بالمظهر لا بالجوهر. تصنيفات تُكافئ الكمية، فتدفع المؤسسات إلى شراء الباحثين، أو إلى إدراج أسمائهم في أبحاث لم يشاركوا بها، أو إلى الدخول في شبكات استشهاد متبادلة، بهدف رفع الأرقام. وهذا هو التلاعب بعينه.
ما الذي يحدث إذن حين تُسخّر الجامعة مواردها، لدخول في مستنقع التنافس على وهم "الأفضلية العالمية"؟ حينها يصبح النشر هدفًا في ذاته، ويصبح الباحث موظفًا للسمعة، ويُعامل الإنتاج العلمي كرصيد بنكي يجب زيادته بأي طريقة.
وإذا كان أفونسو كروس قد كتب ساخرًا: هيا نشتر شاعرًا!
فإن واقع جامعاتنا، كما تصوّره الأرقام وتعرّيه التقارير، يدفعنا مرغمين أن نقول: هيا نشتر باحثًا ونحفظ لجامعتنا هيبتها!

ارسال التعليق