لكم سياستكم.. ولي...
بشرى الهلالي
كاتبة | عراقية
لا أحب السياسة كعمل، لكنني أتابع مجرياتها باهتمام، وهو أمر تعودت عليه منذ صغري. كان والدي سياسيًا "معتقًا"، من أولئك أصحاب المبادئ الذين نُسفوا مع مبادئهم، فتطايرت معهم أشلاء الوطن التي نحاول عبثًا جمعها بعد أن تلاقفتها أيدي طلبة محو الأمية السياسية الذين لفظتهم المدارس، فكان الوطن وكنا، وصار الوطن وصرنا مصدر رزقهم.
لسنوات مضت، كتبت في السياسة، أحيانًا دون قصد. فقد تفرّ الكلمات لتخفف من وطأة النار التي تحرق صدري وأنا أشهد انهيار البلد. لكنني لست وحيدة على الساحة، فقد صارت السياسة فكرة سهلة المنال لمن يكتب ومن لا يكتب، بينما ظل الإنسان وحيدًا في زاوية النسيان.
وفي بلدي، لا نحتاج إلى ساسة، فهم يتناسلون ويتكاثرون، ويتجمعون كالنمل حول جثة حارة. وجثة الوطن بردت منذ زمن بعيد، لكثرة ما تُركت في العراء.
لا حياة دون وطن، ولا وطن دون إنسان، ولا إنسان دون حب.
فلو كان السياسي يعرف الحب، لتمكن جيش السياسيين الذي يسرح في الخضراء من بناء هذا الوطن. ولو كان القاتل يعرف شيئًا عن ضحيته، لو نظر إلى عينيها لحظة القتل، وشعر بحجم الحزن والرعب، لو أدرك صرخة الـ"لماذا" المكتومة، لو عرف الحب يومًا، لأحجمت يده عن إيقاف ساعة القدر.
لا تُقاس الحياة بعدد المواقف والتجارب، بل بما نستقيه منها من دروس، وبمدى تأثيرها فينا. وكما قال أحدهم في أحد الأفلام، لا تُقاس الحياة بعدد الأنفاس التي نعبّها، بل بعدد اللحظات التي تشهق فيها أنفاسنا دهشة.
وعادةً ما تكون هذه اللحظات الفريدة متوّجة بالحب. فكل ما يدهشنا يتحول إلى شيء نحبه، نعتاده، نفرح بالوصول إليه، ونسعد بالحصول عليه، فيمنحنا ذلك السعادة التي لا نشعر بها ونحن نتنفس الهواء يوميًا لمجرد أن نحيا.
في كل ما مرّ بحياتي، وهو بالتأكيد أقل مما مرّ بغيري في هذا العالم، كنت أكتشف، يومًا بعد آخر، أن ما ينقصنا هو الشعور بالحب.
الحب ليس بمعناه المتعارف عليه فقط، ذلك المعنى الذي ما زال يُعامل أحيانًا كأنه أمر مخجل، وإنما حب كل ما يحيط بنا مما يتصل بالإنسان.
نحن شعب لا يعرف الحب، رغم أننا عاطفيون. تبكينا مشاهد كثيرة تخص أحبتنا: رقود أحدهم في سرير المرض، استقبال أو وداع آخر عند السفر، بل حتى مغادرة الفتاة بيت أهلها يوم زواجها قد تتحول إلى "فاتحة" لدى الأم.
لكن دموعنا تختفي باختفاء المشهد، ومشاعرنا تتأرجح مع ارتفاع أو انخفاض منسوب الأعراف والتقاليد والمزاج والعصبية والظروف، ومع أمور أخرى كثيرة تجبر الغالبية على التضحية بالحب.
فالحب هو الفرع الأضعف في عائلة المشاعر الإنسانية، ذلك الفرع الذي يمكن إسكات صوته بسهولة، ب(دفرة) كبرياء.

ارسال التعليق