مؤسسة نخيل..... ثقافةٌ تمشي على جذع نخلة

د. ناجي الفتلاوي

في البدء أود الاشارة الى أن علاقتي بالشاعر العذب مجاهد ابو الهيل لا تعيش ربيعا دائما (ربما لسوء فهم)،لذا سطوري ادناه لم تولد من باب التزلف والرياء بمقدار وصف لجهد بذله ابو الهيل في مؤسسة نخيل التي باتت ملمحا معرفيا من ملامح بغداد المهمة .

 

د. ناجي الفتلاوي   /  كاتب واكاديمي عراقي

في البدء أود الاشارة الى أن علاقتي بالشاعر العذب مجاهد ابو الهيل لا تعيش ربيعا دائما (ربما لسوء فهم)،لذا سطوري ادناه لم تولد من باب التزلف والرياء بمقدار وصف لجهد بذله ابو الهيل في مؤسسة نخيل التي باتت ملمحا معرفيا من ملامح بغداد المهمة .
في بغداد حيث تتكئ الذاكرة على ضفاف نهر دجلة تنهض مؤسسة نخيل بوصفها أكثر من فضاء ثقافي؛ إنها استعارة حيّة للعراق نفسه، فالنخلة ليست شجرةً في هذا البلد بل سيرةُ أرضٍ وذاكرةُ فلاح وعمودُ ضوءٍ في صحراء المعنى، ومن هنا لم يكن الاسم اعتباطًا بل اختيارًا وجوديًا: أن تضع “النخيل” على الجدار يعني أن تُعلِّق هويةً كاملة ، يدير هذه المؤسسة الشاعر والباحث الأستاذ مجاهد أبو الهيل بروحٍ تجمع بين صرامة الباحث وشفافية الشاعر ففي حضوره يتصالح النص مع المكان وتتصالح الفكرة مع الذائقة و كأن الشعر هنا لم يعد يُكتب بالحبر وحده بل يُصمَّم بالأثاث ويُعلَّق باللوحات ويُضاء بمصابيح تشبه حنين بغداد فما إن تدخل مؤسسة نخيل حتى تشعر أنك تعبر إلى طبقة أخرى من الزمن ،الأنتيكات والمقتنيات ليست زينةً عابرة بل شواهد حضارية و قطعٌ عتيقة لها صلة ببغداد القديمة بصور المقاهي الثقافية بمرايا البيوت البغدادية بساعاتٍ كانت تعدّ الوقت على إيقاع الشعر هنا تتجلّى ذائقة مجاهد أبو الهيل؛ ذائقة تعرف الفرق بين “القديم” و”الأصيل” وبين ما يُشترى وما يُنتقى، كأن يده لا تلتقط الشيء إلا إذا كان له نسبٌ في الذاكرة العراقية وهذا يدل على علوّ كعبه في معرفة الأنتيكات وعلى حسٍّ جمالي يرى في التفاصيل خطابًا ثقافيًا صامتًا ،المكان في مؤسسة نخيل ليس ديكورًا بل نصًّا مفتوحًا جدارٌ يحتضن صورة شاعر و زاويةٌ تُخبئ مخطوطة و مكتبةٌ تتنفس أسماءً صنعت وجدان الأمة، تشعر أحيانًا أنك لو همست لسمعت صدى أنسي الحاج يقول: “القصيدة بيتٌ يسكننا”، أو لو أغمضت عينيك لمرّ طيف حسب الشيخ جعفر بخطواته الهادئة أو لارتفع صوت محمود درويش وهو يردد: “على هذه الأرض ما يستحق الحياة” ، نشاطها الثقافي ضوء فيه التقاطات ذكية من روح المفكرين حيث لا تقف مؤسسة نخيل عند حدود الجمال المكاني فهي ورشة دائمة للحوار والمعنى، نشاطاتها تتنوع بين أمسيات شعرية وندوات فكرية وقراءات نقدية ولقاءات تستضيف مثقفين وباحثين لكنها لا تكتفي بالاستضافة؛ بل تمارس فعل “الالتقاط الذكي” ،تلتقط من الفلاسفة حكمتهم ومن الشعراء شفافيتهم ومن المفكرين أسئلتهم الحائرة والخارقة والحارقة فتُعيد نشر أقوالهم وتُقدّمها في سياق معاصر كأنها تقول إن الفكر ليس أرشيفًا بل طاقة متجددة، من هنا نجد في منشوراتها ومجالسها اقتباسات تضيء العتمة ، لقد اجتمع في “نخيل” عنصران: الشاعر والنخلة ،النخلة بجذورها العميقة في الطين، والشاعر بجذوره العميقة في اللغة وكلاهما يقف شامخًا كلاهما يمنح الثمر بصمت كلاهما يتحدى العواصف ، مجاهد أبو الهيل لم يؤسس مؤسسةً فحسب بل صاغ رؤيةً ثقافية ترى في العراق مشروع معنى لا ينتهي، لذلك تبدو مؤسسة نخيل كأنها تقول:
إن العراق مهما أثقلته الجراح ما زال قادرًا أن يُنبت نخيله في وجه الريح ، فالف طوبى لمؤسسة نخيل وربانها والعاملين فيها،محبتي.

 

 

 

 

مقالات ذات صلة

ارسال التعليق