"الإسلام بأقلام مفكرين ألمان".. جسرٌ معرفي بين الإسلام والغرب
نخيل نيوز /خاص
يسعى كتاب «الإسلام بأقلام مفكرين ألمان»، (ترجمة وقراءات للباحث والمترجم المغربي الدكتور رضوان ضاوي)، إلى إعادة تقديم صورة الإسلام ضمن مقاربات علمية وثقافية متوازنة، بعيدة عن الاختزال والأحكام المسبقة.
ويضمّ الكتاب وقد صدر حديثًا عن "الآن ناشرون وموزعون" بالأردن (2026)، ترجماتٍ لدراسات كتّاب من خلفيات مهاجرة يقيمون في ألمانيا، إلى جانب باحثين ألمان مهتمّين بقضايا الإسلام، كما يقدّم قراءات نقدية في مؤلفات نجحت في تجاوز الصور النمطية، ومعالجة الموضوعات الإسلامية بوعيٍ يأخذ في الحسبان تعقيداتها وسياقاتها المتعددة.
ومن خلال النماذج المختارة وما تعكسه من تنوّع، يعمل الكتاب على تشييد جسرٍ ثقافي بين ضفّتين، وتطوير أدوات معرفية تُسهم في تعميق فهم الإسلام من زوايا مختلفة. وقد جاء الكتاب بغلاف أنيق من تصميم ابنة المؤلف، في لمسة تجمع بين البعد العائلي والبعد الثقافي.
وفي مقدمته، يشير المؤلف إلى أن أهمية الخلفيات المهاجرة للكتّاب تكمن في تأثيرها الواضح على اختيار الموضوعات ومعالجتها، إذ تمنح هذه الخلفيات أصحابها رؤية مزدوجة تنبثق من تجربة العيش في بيئتين ثقافيتين مختلفتين. وتنعكس هذه الرؤية في حساسية خاصة تجاه قضايا الهوية والانتماء والتعايش، فضلًا عن تمثّلات العلاقة بين المسلمين وغير المسلمين في المجتمع الألماني. كما تتيح هذه الخبرة المزدوجة قدرةً أعمق على تفكيك التعقيدات الاجتماعية والثقافية المرتبطة بالإسلام، والتعبير عنها من الداخل، مع ميلٍ إلى تصحيح الصور النمطية استنادًا إلى التجربة الشخصية والمعايشة المباشرة.
ويقدّم الكتاب أسماء بارزة في حقل الدراسات الإسلامية في ألمانيا، من بينهم: توماس باور، ميشائيل فيش، غيرهارد شتاجون، سوزانه كايزر، الأسقف السويسري بول هيندر، وكلاوس فون شتوش. كما يتضمن قائمة دقيقة من الباحثين ذوي الخلفيات المهاجرة الذين تمت مناقشة نصوصهم أو قراءتها أو ترجمتها في هذا العمل، مثل: الباحث الألماني المسلم من أصول تركية، سيردر أسلان، والباحث الألماني المسلم من أصل باكستاني محمد سمير مرتضى، إضافة إلى الباحث التركي المقيم في ألمانيا مردان غينس، وكريستين بوسور، الباحثة الألمانية من أصول أذربجانية.
ويرى د. ضاوي أن التفاعل بين الباحث ذي الخلفية المهاجرة ونظيره الألماني "يساهم في تعزيز الحوار بين الثقافات، مما يقلل من سوء الفهم ويوفر فرصة للتعرف على الإسلام بوصفه ديناً وثقافة بعيدًا عن الأحكام المسبقة. فالعلاقة بين كاتب من خلفية مهاجرة وكاتب ألماني تتخذ مسار تكامل معرفي وتفاعل فكري، يُسهم كل في إثراء الفهم وتوسيع آفاق النقاش وتبادل وجهات النظر، كما أنه يشجع الحوار المتبادل، ويبلور أفكارا جديدة وتصورات أكثر إنصافًا وعمقًا وشمولية حول الإسلام، مما يخدم فهمًا أفضل لدى جمهور أوسع في الناطقة باللغة الألمانية".
ويتوزع الكتاب على ستة أبواب رئيسة، تتناول طيفًا واسعًا من القضايا:
في الباب الأول (الدراسات القرآنية) يعالج المؤلف تاريخ تلقي القرآن في المجال الألماني، متتبعًا مسار ترجماته منذ القرن السادس عشر، ومبرزًا تحوّلها من أدوات جدلية ذات خلفية دينية صراعية إلى أعمال علمية تسعى إلى الدقة والموضوعية. كما يستعرض تطور الدراسات القرآنية باللغة الألمانية وأهميتها البيبليوغرافية، ثم يتوقف عند تجربة تفسير القرآن عبر الإذاعة بوصفها نموذجًا لتبسيط المعرفة الدينية، إلى جانب إبراز البعد الجمالي للقرآن في الأدب الألماني.
وفي الباب الثاني (مفاهيم وتصورات) يتتبع المؤلف إشكالية العلاقة بين الإيمان والعقل في الفكر الغربي، خاصة في سياق الحداثة الأوروبية، حيث يبرز كيف أدى صعود العقلانية إلى تراجع حضور الدين في المجال العام، وما نتج عن ذلك من توتر في فهم الإسلام داخل هذا الإطار الفكري الذي يميل إلى تفسير الظواهر الدينية بمنطق معرفي صرف.
أما الباب الثالث (التفاعل الحضاري بين الإسلام والمسيحية) فيتناول موضوع الحوار بين الأديان، مركزًا على الحوار الإسلامي–المسيحي، من خلال عرض نماذج واقعية وتجارب ميدانية، مع تحليل إشكاليات هذا الحوار وحدوده، خاصة ما يتعلق بعدم التكافؤ، وصعوبة مناقشة النصوص المقدسة، والتباين في فهم الحرية الدينية، مع التأكيد على ضرورة الحوار رغم تعقيداته.
وفي الباب الرابع (قضايا إسلامية في كتابات محمد س. مرتظى) ينتقل المؤلف إلى دراسة قضايا الإسلام في السياق الثقافي والاجتماعي الأوروبي، متناولًا تمثلات المسلمين في المجتمعات الغربية، وإشكاليات الهوية والاندماج، وصورة الإسلام في الإعلام والخطاب العام، في محاولة لفهم كيفية تشكّل الصورة الذهنية عن الإسلام في الوعي الأوروبي المعاصر.
أما الباب الخامس (الحوار الديني من خلال قصص الأنبياء) فيركّز على الأبعاد الفكرية والروحية في الإسلام، مثل التصوف والتجارب الدينية، مبرزًا اهتمام بعض المفكرين الألمان بهذه الجوانب بوصفها مدخلًا لفهم الإسلام بعيدًا عن القراءات السياسية أو الأيديولوجية، وبوصفها مساحة مشتركة للتقارب الإنساني.
ويأتي الباب السادس (قصائد إسلامية بأقلام ألمانية "ترجمات")، ويضم: قصيدة "بعثة النبي محمد"/ راينر ماريا ريلكه ، وقصيدة "المؤذن"/ يوهانس لبيوس، وقصيدة "محمد والقط"/ لودفيش فون فرنكل هوخفاغت.

ارسال التعليق